الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

418

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

الدين عبد الرحمن الجامي قدّس سرّه السامي وأنت غلام متواضع ، فأخبرك بما هو اللازم في ذلك الجناب وأقول لك شيئا من أحوال حضرة الشيخ لم أقله لأحد غيرك : فاعلم أن حضرة شيخنا مشرف على أحوال الخلائق ومطلع على الضمائر والحقائق ، فو اللّه لقد كان حاضرا بي وناظرا إلى جميع أفعالي وأحوالي ظاهرا وباطنا مدة ستين سنة . وكان ينبهني بما سيقع عليّ قبل وقوعه . وحصل لي عين اليقين بهذا المعنى فإذا علمت أن الحال على هذا المنوال ينبغي لك أن تكون حاضرا بقلبك في حضوره وناظرا إليه بعين قلبك وقت غيبته . وله في هذا الوقت اختلاط كثير مع السلاطين والحكام ، وكثر أيضا سائر إشغالاته الظاهرية حتى لم يبق له مجال أمر الطالبين بالنفي والإثبات والتوجهات والمراقبات ، وإنما يأخذ نصيبا وحظا من نسبته من اشتغل بطريق الرابطة . وقد قدم كثير من الطالبين والمستعدين من أقصى أطراف العالم ، ولما لم يهتدوا إلى هذا الطريق انصرفوا مأيوسين ومحرومين . كتب مولانا القاضي محمد في مسموعاته : إن حضرة شيخنا أرسلني إلى هراة في مرضه الأول لطلب الطبيب ، وكان مولانا قاسم في ذلك الوقت صحيح الجسم ولم يكن له أثر من المرض . وأكد للفقير أن أجيء بالطبيب مسرعا ، وقال : لا طاقة لي أن أرى مرض حضرة شيخنا بعد ذلك . وشايعني إلى مسافة كبيرة . ولما جئت بالطبيب أنبئت أن مولانا قاسم قد توفي ، وكان مجموع أيام المفارقة خمسا وثلاثين يوما ، فسألت حضرة شيخنا عن كيفية وفاته ، فقال : دخل عليّ يوما وقال : أنا أجعل نفسي فداء لك ، فقلت له : يا قاسم أنت رجل فقير ذو عيال كثير لا تفعل هكذا . فقال : أنا ما جئت للمشورة في هذا الأمر فإني قد فعلته وقبل اللّه سبحانه ذلك مني . وكلما منعته عن ذلك بالمبالغة لم يرد غير هذا الكلام . وقام من عندي مصرا على ذلك ، فانتقل المرض إليه في اليوم الثاني وتوفي إلى رحمة اللّه . وعوفي حضرة شيخنا ولم يبق الاحتياج إلى الطبيب . قال بعض الأكابر الذي كان حاضرا بحضرة الشيخ : ثم نصب عينيه إلى زاوية البيت وبقي على ذلك مدة مديدة ، وكان ينظر نظرا متعاقبا بسرعة ثم يصرف نظره عن زاوية البيت . وتوجه إلى شيخنا وأطال النظر إلى وجهه حتى فاضت نفسه فقال حضرة شيخنا في هذا المحل : قد عرضوا الجنة مع ما فيها من الحور والقصور على نظر مولانا قاسم فأعرض عن الكل وتوجه إلينا ، وخرجت روحه وهو ناظر إلينا . قال بعض الأكابر : إنه لما توفي مولانا قاسم أمر حضرة شيخنا بدفنه في محوطة