الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
256
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
تضيع محنتك ؟ فلما سمع ذلك مني أجرى الدموع من عينيه وتأوه بحرقة قلبه وقال : لا أحب أن يصل إلى خاطره ثقل من جانبي . قال مولانا شمس الدين محمد : فتيقنت أن محبته له كانت ذاتية . * رشحة : قال : قال لي يوما مولانا سعد الدين : هل تعرف شيئا من أحوال فلان ؟ وسمى طالب علم غريبا كان قد جاء هراة من بلده لتحصيل العلم ثم اختار ملازمة مولانا وترك التحصيل . وكان ساكنا في مدرسة مولانا جلال الدين القائني ، وكان على كمال الترك والتجريد ، وكان قليل الاختلاط بأصحاب مولانا أيضا ، وكان دائم السكوت والحزن . قلت : لا علم لي بحاله ، غير أني أعرف أن له شغلا دائما . فقال : استخبر عن حاله وحققه ولا تتركه حتى يخبرك عن حاله . فجئت عنده امتثالا لأمر مولانا وقلت له : كيف حالك وما بالك لا تخالط أصحاب مولانا ، وما سبب جلوسك في زاوية الحجرة منفردا دائما مغلقا باب الدخول والخروج على الأصحاب والأحباب ؟ قال : أنا رجل فقير غريب ولا أرى في نفسي أهلية الاختلاط مع الأصحاب ، فلا جرم أني لا أحب أن أكون مزاحما لهم ومضيّعا لأوقاتهم . فألححت عليه وقلت : إن لك لشأنا البتة وهو الذي يمنعك من الصحبة ، فلا بد لك من أن تظهره لي . فقال : ما هذه المبالغة ؟ قلت : أنا مأمور بذلك من حضرة مولانا ولا أتركك حتى تطلعني على حالك . ولما أيقن أن هذه المبالغة من محل آخر تأوه وقال : يا فلان قد وقع لي حال عجيب وشأن غريب ، فأقول لك نبذة منه وذلك أني أصلّي العشاء مع الجماعة ثم أدخل حجرتي وأقعد مراقبا لحظة وأشتغل بطريقة معهودة ساعة ، فيفاض عليّ نور بلا نهاية ويحيط بي من جميع الجهات فأغيب عن نفسي عند ظهوره وتمتد تلك الغيبة إلى الصبح ، وأكون في النهار مستغرقا في لذته ، وذلك حالي لا يزال في الليل والنهار . ولما صار طريقه معلوما لي كدت أن أحترق من الغيرة والغبطة حتى جرى الدمع من عيني بلا اختيار وأثر كلامه هذا في باطني ، فخرجت من عنده ، فسألني حضرة مولانا في اليوم الثاني : ما ذا علمت ؟ وكان مقصوده من ذلك الإعلام لي بأن في أطرافه مثل هذا من الرجال وأن في أصحابه من يشتغل بمثل هذا الاشتغال . قال مولانا خواجة كلان ابن مولانا سعد الدين : كنت أحمل الطعام إلى هذا الطالب أحيانا بأمر والدي الماجد ، وكان يفطر في كل ثلاثة أو أربعة أيام مرة ، وكان يمد يده إلى الطعام كالممتلىء منه . ووقف الخواجة قطب الدين الحصاري