الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
245
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
وكان معهم غلام صاحب حسن وجمال ، فنام وقت النوم في طرف رجلي ولما انطفىء السراج وقع على قلبي وسوسة : أن أمد رجلي إلى طرفه ، وزاحم هذا الخاطر مرتين أو أكثر ، فقلت في نفسي أخيرا : إن الوالد واقف على حالي وحاضر معي في أكثر الأوقات ، فيضرب بذلك الأمر على وجهي وقت حضوري عنده غدا . فقبضت رجلي ونمت ، ولما جئت في الصبح البلد وحضرت صحبته قال : إذا استحيت من مد رجلك بتوهم اطلاع مخلوق عليه فالاستحياء من اطلاع الخالق المطلع على أحوال الخلائق الحاضر معهم أزلا وأبدا في جميع مواطن الدنيا والخرة وترك ارتكاب سوء الأدب أولى في ذلك . نقل واحد من أصحابه : أنه كان يوما قاعدا في المكتب في بداية اتصالي بصحبته ، فجئت عنده وفي يده ورقة صغيرة يطويها مرة وينشرها أخرى ، ولما رآني قال : يا فلان تقدم وخذ هذه الورقة . فبادرت إليه ومددت يدي لأن آخذها فقبضها فبقيت متحيرا ثم مد يده وقال : خذها ، ولما أردت أن آخذها قبض يده ثانيا ثم أعطانيها في الثالثة . ولما وصلت الورقة إلى يدي ظهرت منها نار كالبرق الخاطف ودخلت في يدي وجرت من طرق العروق بغاية السرعة حتى اتصلت بقلبي فاحترق قلبي بها بحيث ظننت أنه صار رمادا ، فوضعتها على الأرض خوفا من الهلاك . فنادى عليّ بهيبة أن : ارفعها ، ولما رفعتها ظهرت فيّ كيفية حتى سقطت مغشيا عليّ وبقيت في تلك الحالة مدة ، وظهر من في زبد أبيض في هذا الحال فصار صبيان المكتب حين رؤيتهم إياي يقول بعضهم لبعض : جاء الجمل السكران إلى ثلاثة أشهر . ولما أفقت من تلك الغيبة استولى عليّ بكاء عظيم ولم أدر سببه وموجبه ، فخرجت من عنده وبكيت كثيرا . ولما حضرت صحبته في اليوم الثاني قلت في نفسي : لا أقعد في قربه ، فإنه يحتمل أن يحترق قلبي ثانيا . فدخلت من باب المكتب ورأيته قاعدا مراقبا ، فقعدت في صف النعال فرفع رأسه وقال : يا فلان ، قلت : لبيك ، ورأيته ينظر إليّ متتابعا ، فوقعت تلك النار على قلبي بغتة وسقطت على الأرض في الحال وبقيت مدهوشا مدة . ولما حضرت من الغيبة ما استولى البكاء عليّ في تلك النوبة . وقد امتدت مدة مرضه الذي مات فيه إلى خمسة أشهر تقريبا . ولما جئت لعيادته في ابتداء مرضه وقعدت عنده قال : يا فلان قد قطعوا ماءنا عن رأس النهر . وأخبر بموته قبل ارتحاله بمائة وخمسين يوما ، فسكت ساعة ثم قال : اللّه موجود . وصاح مقارنا لهذا الكلام صيحة عظيمة وقال في صيحته : اللّه . ثم