الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
229
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
المنام ، وخطر على خاطره إذ ذاك رحلته عن الدنيا ، فجاء عنده وسلّم فرد عليه السلام ثم قال : الرأي ما انكشف لك بعدما ارتحلت إلى دار الخرة من سر توحيد الوجود ونسبة معية الحق سبحانه بالأشياء التي تكلم فيها الشيخ محي الدين بن عربي وغال ! قال : لما جئت إلى هذا العالم وقعت الملاقاة مع الشيخ محي الدين وسألته عن سر هذه المسألة فقال : الكلام هو الذي كتبته . ثم سأله هذا الفقير أيضا أنه : هل في ذلك العالم العشق والتعشق وتعلّق الخاطر بالمظاهر الجميلة ؟ فقال : ما تقول إن التعشق والشوق إنما هو في ذلك العالم فإن حسن عالم الأجسام الذي حصل من تركب الأجزاء المختلفة يتغيّر سريعا ويتبدل بسبب تضاد بعض الأجزاء بعضا ، فيزول العشق بهذا السبب ولا يبقى تعلق الخاطر . وأما حسن ذلك العالم فهو حاصل من جميع البسائط غير قابل للفناء والزوال ، ولا يتغير ولا يتبدل أبدا لعدم الضدية والمخالفة بين أجزائه ، فلا جرم يكون فيه العشق والتعشق دائما البتة . غاية ما في الباب يتطرق التشويش على جوهر الروح إلى مدة بعد مفارقتها من البدن بسبب علاقتها له وأنسها معه ، فإذا صفا جوهرها عن الكدورات الجسمانية وتزكى عن القاذورات الدنياوية تكون مقبلة على مذاق العاشقية . ولما قال هذا الكلام قال له ذلك الفقير : الرأي أن الذي بيّنته الن كله من أسرار الخرة وقد قالوا : إن الأموات غير مأذونين بإفشاء أسرار الخرة ، فكيف التوفيق والتطبيق ! قال : هذا كلام تفوه به العوام وليس له أصل ، وقد رأي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكبراء هذه الأمة كثير من الناس في المنام وتعلّموا منهم عجائب عالم الخرة وغرائبه ، فلو لم يجز إفشاء سر عالم الخرة لما نطق به القرآن والأحاديث النبويّة . ثم رآه هذا الفقير في تلك الأيام مرة ثانية في المنام مريضا ، فخطر في قلبه : أنه ما سر كون أولياء اللّه تعالى مبتلى بالفات والبليات في أكثر الأوقات ؟ فقال : يعني مجرد خطور ذلك في قلبه أن الأمراض والرياضات موجبات لتنقية الدماغ وتصفية قواه ، فإذا حصلت التنقية للدماغ يتعلق به النور المطلق البسيط المحيط بكل الموجودات الذي هو مقصود جميع الممكنات ، وظهور هذا المعنى ليس مختصا ببعض دون بعض بل يتعلق ذلك النور المطلق بقوة دماغي ودماغك ودماغ كل فرد من أفراد الإنسان إذا حصلت التصفية والتنقية . وكانت وفاته غداة يوم الأحد الخامس من شعبان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بعد طلوع الشمس .