الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

224

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

سبحانه خلق القوة المدركة على وجه تكون واجدة لوجود الحق سبحانه بحسب الفطرة من غير شعور لوجدانها ، وهذا الوجدان حاصل لها بحسب الفطرة ، فإنه ما من شيء من الموجودات أدركته القوة المدركة إلا وقد وجدت الوجود قبله ثم أدرك ذلك الشيء ، فالوجود بمثابة النور يدرك أولا بإدراك البصر ثم يدرك به الأشياء المحسوسة . فإذا كانت المدركة واجدة لوجود الحق سبحانه بحسب الفطرة كانت متأثرة من آثار الوجود ولوازمه على وجه الاضطرار . فهذا التأثر الذي هو انقياد وتذلّل حاصل لها بالنسبة إلى وجود الحق تعالى ، أرادت ذلك أو لا ، فإذا تأثرت بقول آثار الوجود الخارجي ولوازمه فقد حصل له نفس الانقياد والتذلّل اللذين هما حقيقة العبادة بحسب الحال . فتلك عبادة حاصلة للعبد اضطرارا بحسب الحال ، وذلك الإدراك البسيط موجب لظهور الرحمة العامة التي هي عبارة عن فيض الوجود المنبسط على المدركة وسائر الموجودات وملقّبة بنفس الرحمن . وإطلاق العلم على إدراك الإدراك مبني على اصطلاح ، يعني : أن العبد إذا أدرك أن مدركته واجدة لموجود الحق سبحانه ومنقادة ومستسلمة له بحسب الواقع وبحسب الحال ، فحينئذ يريد أن تكون صفته الإرادية مطابقة لصفته الواقعية والحالية ، فاختار عبادة الحق سبحانه وقبول أوامره ونواهيه بحسب الظاهر ليكون ظاهره مطابقا لباطنه وحاله الإرادي والاختياري موافقا لحاله الواقعي والاضطراري . وذلك الإدراك المركب مستلزم للعروج إلى مراتب عالية ومنازل سامية ، وموجب للسير والسلوك والرحمة الخاصة التي هي مظهر صفة الرحيم ، فقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : الية 56 ] قد وقع تطبيقه للواقع في هذا المقام صحيحا باعتبار العبادة الاضطرارية وباعتبار العادة الاختيارية . قال الأكابر : إن السر في العبادة أن تكون هذه العبادة الاختيارية مطابقة لتلك العبادة الاضطرارية التي هي حاصلة للمدركة بحسب الانقياد والتذلّل دائما ، وتكون إرادته مطابقة لحاله الواقعي . * رشحة : قال في حكمة تأبيد تعذيب الكفار بالنار واختلاف الأكابر فيه ، قال : سأل البعض : إن مقتضى العدل والحكمة أن يكون العذاب على الذنب المتناهي متناهيا ، فما السبب في كون العذاب غير متناه على الكفر المتناهي ؟ قال الإمام الغزالي في جوابه : إن علم قدر جزاء الأعمال مختص باللّه تعالى ، وإدراك