يحيى العامري الحرضي اليماني
83
غربال الزمان في وفيات الأعيان
حججت أربعين سنة ، وما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة . وعطل المسجد النبوي أيام الحرة فلم يبق فيه غيره ، وكان لا يعرف أوقات الصلاة إلا بهمهمة يسمعها داخل الحجرة المقدسة . وخطب ابنته بعض ملوك بني أمية فزوجها فقيرا من الطلبة وسيرها معه إلى بيته ، ثم زارها بعد ذلك ووصلها بشيء من عنده ، وقد صنّف في مناقبه رضي اللّه عنه . وفيها أيضا توفي أحد فقهاء المدينة السبعة أبو محمد عروة بن الزبير بن العوام ، جمع العلم والسيادة والعبادة ، ومات صائما ، واشتهر أنه قطعت رجله وهو في الصلاة لأكلة وقعت فيها فلم يتحرك حتى لم يشعر الوليد بن عبد الملك بذلك وهو عنده حتى كويت فوجد رائحة الكي . قال الزهري : رأيته بحرا لا تكدّره الدّلاء ، ودخل على عبد الملك بعد قتل أخيه وسأله سيف الزبير ، فأخرجوا له السيوف ، فأخذ منها سيفا مفللا فعرفه . وبئره أعذب بئر بالمدينة اليوم . توفي في قرية له دون الفرع ، بضم الفاء وتسكين الراء بناحية الربذة على أربع ليال من المدينة ، ذات نخل ومياه . وكانت ولادته سنة اثنتين أو ست وعشرين . وهو شقيق عبد اللّه ، أمه أسماء بنت أبي بكر بخلاف مصعب فإن أمه أخرى . وكان عبد الملك ابن مروان يقول : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير . وسبب ذلك ما روي أنهم اجتمعوا إلى المسجد الحرام وتمنوا ، وكان أمنية عروة الزهد في الدنيا والفوز بالجنة ، فلما نال كل منهما أمنيته كان في ذلك دليل على نيل عروة أمنيته ، وذكر هنا عبد الملك معهم وحذف ابن عمر . ورأيت في بعض كتب الحديث إثبات عبد اللّه بن عمر وحذف عبد الملك ، ولعله أثبت مما هنا واللّه أعلم . وفيها أيضا مات أحد فقهاء المدينة السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام بن المغيرة المخزومي ، الملقب براهب قريش لعبادته وفضله ، وكان مكفوفا ، وأبوه الحارث من الصحابة ، وهو أخو أبي جهل لأمه . وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء ، لأنه مات فيها جماعة منهم . وإنما قيل : الفقهاء السبعة ؛ لأنهم كانوا في المدينة في عصر واحد ، شريعتهم العلم والفتيا . وكان في عصرهم جماعة من فقهاء التابعين مثل سالم بن عبد اللّه بن عمر وغيره فلم يكن لهم مثل ما لهم .