يحيى العامري الحرضي اليماني

576

غربال الزمان في وفيات الأعيان

سنة اثنتين وسبعمائة رجع التتر إلى الشام ، فالتقاهم ترك المسلمين ، فنصرهم اللّه عليهم ، وقتل من التتر خلق ، ورجعوا وتجهزوا مرة أخرى ، فلما بلغوا مرج دمشق قدم السلطان وتصافوا ، فهزم اللّه التتر ، ومزقوا كل ممزق . وفي ذي القعدة وقعت زلزلة بمصر ، وتساقطت الدور ، ومات بالإسكندرية تحت الهدم نحو المائتين ، وكانت آية . وفيها مات في القاهرة قاضيها شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب ابن دقيق العيد القشيري الشافعي ، صاحب كتاب ( الإلمام ) و ( شرح العمدة ) ، عن سبع وسبعين سنة . روى عن ابن الحميري وغيره ، وكان رأسا في العلم والعمل عديم النظير ، أجل علماء وقته وأكثرهم علما ودينا وورعا واجتهادا في نشر العلم وتحصيله ليله ونهاره مع كبر سنه وشغله بالحكم . ولد بمدينة ينبع ، ونشأ بمصر ، واشتغل أولا بمذهب مالك ، ودرس فيه ، ثم اختار مذهب الشافعي وبرع فيه . ودرس في فنون كثيرة لا سيما علم الحديث حتى قيل : إنه آخر المجتهدين . وكان يعتقد المشايخ ويزورهم ، قيل : إنه زار بعضهم ، فلما وصل بابه نزل عن البغلة ونزع العمامة والطيلسان وبقي في كوفية . وشكا إلى فقير وسوسة يجدها في صدره ، فقال الفقير : أف لقلب يكون فيه غير اللّه . وكان يقول : هذا الفقير خير عندي من ألف فقيه . وركبته ديون لم يجد لها قضاء ، فقصد زيارة الشيخ ابن عبد الظاهر ، فقدم إليه الشيخ مأكولا وفيه سميط ، وكان الشيخ تقي الدين لا يأكله لأنه يشوى وفيه آثار الدم ، فقال له تلميذه : هذا سميط ، فقال : ليس هذا موضع ذاك ، ثم أكل وأسمع الفقراء وهو حاضر ساكت ، فلما انقضى سماعهم قال الشيخ منشدا بيت المتنبي : وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي بيان عندها وخطاب