يحيى العامري الحرضي اليماني
554
غربال الزمان في وفيات الأعيان
عقيدة ومحبة ، وكان يسافر بركب الحجاج إلى الحرمين ، وكان أبو نمي لابسا حريرا ، فأنكر عليه الفقيه إسماعيل وأخذ بطوقه وقال : يا شريف إنما يلبس هذا من لا خلاق له ؛ فبقي الشريف مبهوتا ينظر إلى ابن عجيل ، فقال له ابن عجيل : أتدري من هذا ؟ هذا الأرعن على ربه ، لو تغير علينا هلكنا كلنا . وفضائله وكراماته لا تنحصر ، ولا تحتمل بعضها العقول . وفيها توفي الشيخ الإمام ، محرر المذهب ومهذبه ومنقحه ، عديم النظير علما وعملا ، هديا ودلا وسمتا محيي الدين النووي أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين الشافعي ، صاحب ( الروضة ) و ( المنهاج ) و ( المناسك ) و ( تهذيب الأسماء واللغات ) و ( شرح مسلم ) و ( شرح المهذب ) وكتاب ( التبيان في أدب القرآن ) و ( الأذكار ) و ( رياض الصالحين ) و ( الأربعين ) و ( الإرشاد ) و ( التقريب ) و ( التفسير ) و ( طبقات فقهاء الشافعية ) وقطع كثيرة اخترمته المنية وهو شارع فيها ، وكلها معمورة بالتحصيل ، ومشهورة بعموم النفع ، متلقاة بالقبول لحسن قصده . قال اليافعي : وبلغني أنه حصلت له نظرة جمالية من نظرات الحق سبحانه وتعالى بعد موته فظهرت بركتها على كتبه . ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة . وقدم دمشق سنة تسع وأربعين وهو ابن ثمان عشرة سنة ، فقرأ ( التنبيه ) في أربعة أشهر ونصف ، وحفظ ربع ( المهذب ) في بقية السنة ، وكان له على المشايخ في اليوم اثنا عشر درسا شرحا وتصحيحا ، ومكث قريبا من سنتين لا يضع جنبه على الأرض . وعنه قال : عزمت مرة على الاشتغال بالطب ، فاشتريت ( القانون ) فأظلم قلبي ، ومكثت أياما لا أشتغل بشيء ، فتفكرت فإذا هو من ( القانون ) ؛ فبعته في الحال . وكان لا يدخل الحمام ، لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد صلاة العشاء ، ولا يشرب إلا واحدة عند السحر ، ولا يأكل من فواكه دمشق لكثرة الشبه ، ولا يشرب الماء المبرد بالثلج ، وكان كثير السهر في العبادة والتصنيف ، صابرا على خشونة العيش في ورع لم يبلغه أحد . وإنما اختار المدرسة الرواحية لنزوله لأنها من