يحيى العامري الحرضي اليماني
461
غربال الزمان في وفيات الأعيان
سنة سبع وسبعين وخمسمائة توفي الملك الصالح إسماعيل أبو الفتح ابن السلطان نور الدين محمود بن زنكي ، مات أبوه بعد أن ختنه بدمشق ، وكان يوم ختانه يوما عظيما معظما . وأوصى له بالسلطنة فلم يتم له ذلك ، وبقيت له حلب ، وكان شابا عاقلا صالحا ، أحبه أهل حلب إلى الغاية بحيث أنهم قاتلوا صلاح الدين قتال الموت لمّا جاء ليملكها ، ولما مات أقاموا عليه المأتم أياما ، وفرشوا الرماد في الطريق ، وعمره تسع عشرة سنة ، وأوصى بحلب لابن عمه مسعود بن مودود . وفيها أبو البركات الأنباري ، العبد الصالح ، عبد الرحمن بن محمد الأنباري ، كان من المشهورين بعلم الأدب ، وتفقه بمذهب الشافعي ، وأنجب من اشتغل عليه . صنف كتاب ( أسرار العربية ) وهو سهل المأخذ كثير الفائدة ، وكتاب ( الميزان ) في النحو أيضا ، وكتاب ( طبقات الأدباء ) [ جمع فيه بين ] « 1 » المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه ، ثم انقطع في آخر عمره في بيته ، واشتغل بالعلم والعبادة ، وترك الدنيا ومجالسة أهلها ، وكان لا يبرح بيته مع خشونة الملبس والفراش ، ولا يخرج إلا يوم الجمعة ، وحمل إليه المستضيء خمسمائة دينار ، فردها ، فقال : اتركها لولدك ، فقال : إن كنت خلقته فأنا ارزقه . وزادت مصنفاته على الخمسين ، ومات وله نحو أربع وستين سنة ، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي . والأنبار : قرية قديمة على الفرات ، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ . وفيها أبو بكر البوصيري « 2 » ، وهو هبة اللّه بن علي الأنصاري الخزرجي المصري ، كان أديبا له سماعات عالية انفرد بها ، وكان طبقة وحده ، قاله الذهبي .
--> ( 1 ) زيادة من مرآة الجنان 3 / 408 . ( 2 ) كذا في ب ومرآة الجنان 3 / 409 ، وفيها وردت ترجمة البوصيري في السنة التالية : سنة ثمان وسبعين وخمسمائة . وفي الأصل : النواصيري ، وهو خطأ .