يحيى العامري الحرضي اليماني

452

غربال الزمان في وفيات الأعيان

ومحاسن نور الدين كثيرة شهيرة ، وكان في الأولياء يعد في الأربعين ، وصلاح الدين في الثلاثمائة ، ذكر ذلك بعض الشيوخ العارفين ، ويصدق ذلك ما ذكره المطري رحمه اللّه في كتابه ( تاريخ المدينة ) ، وقد سمعته على شيخنا شرف الدين أبي الفتح المدني ، ثم على حفيد المؤلف محب الدين المطري سماعا من لفظ الأول بمكة المشرفة سنة خمس وثلاثين وثمانمائة ، وقرأته على الباني بالمدينة النبوية سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بجميع الكتاب : وذلك أن السلطان محمود رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات وهو يقول له كل مرة : يا محمود أنقذني من هذين الشخصين ، لشخصين أشقرين تجاهه ؛ فاستحضر وزيره قبل الصبح وأخبره ، فقال له : هذا أمر حدث في مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليس له غيرك ؛ فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها ، فلما زار طلب أهلها عامة للصدقة ، وقال : لا يبقى بالمدينة أحد إلا جاء ، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي تلي حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم من خارج المسجد عند دار عمر بن الخطاب التي تعرف اليوم بدار العشرة رضي اللّه عنهم ، قالا : نحن في كفاية ، فجدّ في طلبهما حتى جيء بهما ، فقال للوزير : هما هذان ، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما ، فقالا : لمجاورة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فكرر السؤال عليهما حتى أفضى إلى العقوبة ، فأقرّا أنهما من النصارى وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة باتفاق من ملوكهم ، ووجدهما قد حفرا ثقبا في الأرض من تحت حائط المسجد القبلي ، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت ؛ فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم خارج المسجد ، ثم أحرقا بالنار . وركب متوجها إلى الشام راجعا ، فصاح به من كان نازلا خارج السور ، واستغاثوا ، وطلبوا أن يبني لهم سورا يحفظهم ؛ فبنى هذا السور الموجود الآن ، ومثل هذا لا يجري إلا على يد ولي للّه تعالى ، واللّه أعلم . توفي نور الدين بعلة الخوانيق ، وأشار عليه الأطباء بالفصد ، فامتنع ، وكان مهيبا فما روجع ، ودفن ببيت كان يخلو فيه بقلعة دمشق ، ثم نقل إلى مدرسته التي عند سوق الخواصين . وروي أن الدعاء عند قبره مستجاب . وعمره نيف وخمسون