يحيى العامري الحرضي اليماني

429

غربال الزمان في وفيات الأعيان

سنة تسع وأربعين وخمسمائة نزل الخارجي علي بن مهدي الحميري إلى تهامة اليمن مستبيحا دماء الناس لاعتقاده التكفير بالكبائر ، وكان قبل قيامه يظهر النسك ويطعم الطعام ، كما روي عن الشيخ عبد اللّه الأسدي « 1 » قال : كنت معتكفا أنا والشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن أبي الخير الصياد ، فسمعنا بصدقات ابن مهدي وصيته ، فسرنا إليه ، فوجدناه يطعم الناس فوجا بعد فوج وهو في سهوة « 2 » من خشب النخل يطلع بدرجة . فلما وقفنا ببابه قال لنا أصحابه : أجيبوا الإمام صلوات اللّه عليه ، فلما دخلنا عليه بشّ لنا بشاشة عظيمة ، وذلك في دولة الحبشة ، ثم قدم لنا الطعام ، فكرهناه وقلنا : نحن صيام ، فقال : أريد أن تصحباني إلى مسجد القارة « 3 » ، فسرنا جميعا إلى المسجد ، فوصلناه وقت الضحى ، فركعنا وقعدنا ، فأقبل زيلعي يمشي على البحر ! فلما دخل زعق ابن مهدي فاستجار منه ، فقال : يا شيطان ، يا فتان ، تدخل هذا المسجد المبارك ؟ ! واللّه لأريحن الناس منك ؛ فاستجار بنا ، وخرج الرجل على حاله يمشي على الماء . ثم أقبل بدوي طويل وبيده عصا ، فصاح أيضا على ابن مهدي وقال : يا شيطان ، يا فتان ، ما تفعل في هذا الموضع المبارك ؟ ! اليوم أريح الناس منك ، وحمل عليه ليضربه ، فسألناه باللّه أن يتركه ، فركع وودعنا ، فقال ابن مهدي : أريد أن ترداني إلى المكان الذي كنت فيه ، فكرهنا ، فلم يزل بنا حتى صحبناه إلى موضعه الأهواب بساحل البحر . فلما كان سنة أربع وخمسين كثرت عساكره وأظهر مذهبه الرديء . وفيها جاءت الأخبار أن السلطان محمد شاه السلجوقي قاصد بغداد ، فحشد الخليفة المقتفي « 4 » وعرض جيوشه فزادوا على اثني عشر ألف فارس ؛

--> ( 1 ) كذا في ب ومرآة الجنان 3 / 292 ، وفي الأصل : الأزدي . ( 2 ) في القاموس : « السهوة : الصفة ، والمخدع بين بيتين ، وشبه الرف والطاق يوضع فيه الشيء ، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة » . ( 3 ) في مرآة الجنان 3 / 293 : الفازة . ( 4 ) كذا في مرآة الجنان 3 / 294 وفي الأصل : المكتفي .