يحيى العامري الحرضي اليماني

42

غربال الزمان في وفيات الأعيان

ولما استقر الخوارج في حر وراء بعد النهروان وكانوا ستة آلاف مقاتل وقيل : ثمانية آلاف أتاهم علي ووعظهم وخطبهم فرجعوا معه إلى الكوفة . وأشاعوا أن عليا تاب [ من التحكيم ] « 1 » فأتاه الأشعث « 2 » بن قيس وقال له : الناس قائلون : إنك رأيت الحكومة ضلالا وتبت منها ، فقام في الناس وقال : من زعم أن الحكومة ضلال فقد كذب ؛ فثارت الخوارج وخرجوا من المسجد ، فقيل له : إنهم خارجون عليك ، فقال : ما أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون ، فبعث عليهم ابن عباس يناظرهم ، فاحتج عليهم بالتحكيم في إتلاف المحرم الصّيد ، والتحكيم بين الزوجين ، وبأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمسك عن قتال أهل الهدنة يوم الحديبية ، فصدقوه في ذلك كله وقالوا : إنّ عليا محا نفسه من اسم الخلافة بالتحكيم ، فقال لهم ابن عباس : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم محا نفسه من الرسالة يوم الحديبية ؛ فلم يزلها ذلك عنه . فرجع منهم ألفان وبقي أربعة آلاف أو ستة أصرّوا وبايعوا عبد اللّه بن وهب الراسبي ، فخرج بهم إلى النهروان ، فسار إليهم علي عليه السلام فأوقع بهم وقتل منهم ألفين وثمانمائة رجل ، منهم ذو الثدية علامة الفرقة المارقة ، ثم كلمهم أيضا فأصروا وقالوا : إن عدت إلى الجهاد سرنا بين يديك ، وإن بقيت على التحكيم قاتلناك ، ثم قال لهم : أيكم قاتل عبد اللّه بن خباب ؟ فقالوا : كلنا قتله ، وكانوا قد لقوا مسلما ونصرانيا فأعفوا النصراني وقالوا : احفظوا وصية نبيكم فيه وقتلوا المسلم ، ثم لقوا عبد اللّه ابن خباب الصحابي وفي عنقه المصحف فقالوا : إن المصحف يأمرنا بقتلك ، فوعظهم وذكرهم وحدثهم عن أبيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم يقبلوا وقالوا له : ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما ، قالوا فما تقول في علي قبل التحكيم وعثمان قبل الحرب ؟ فأثنى عليهما خيرا ، قالوا : فما تقول في التحكيم والحكومة ؟ قال : أقول : إن عليا أعلم منكم وأشد تثبيتا « 3 » على دينه ، فقالوا : إنك لست تتبع الهدى ، فقربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه فاندفق دمه على الماء يجري مستقيما .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين زيادة من ب . ( 2 ) في الأصل : ابن الأشعث ، وهو خطأ . ( 3 ) في ب : توقيا ، وهي كذلك في الطبري 5 / 82 .