يحيى العامري الحرضي اليماني
105
غربال الزمان في وفيات الأعيان
منا مشغولا بصاحبه ، وقلما مات ضدّ أو صديق إلا وتبعه صاحبه ، وبقي حزينا وقال : أطفأ موت الفرزدق جمرتي وأسال عبرتي وقرب منيتي ، فعاش بعده أربعين يوما ، وقيل : ثمانين ، وكان وفاة جرير باليمامة وقد نيف على الثمانين ، ووفاة الفرزدق بالبصرة وقد قارب المائة . وأما الفرزدق فهو أبو الأخطل « 1 » همام بن غالب المجاشعي التميمي من سراة قومه ، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن جابس . تمارى أبوه غالب هو وسحيم بن وثيل الرياحي : نحرا ناقة ناقة ثم ثنتين ثنتين ثم ثلاثا ثلاثا وفي اليوم الرابع نحر غالب مائة ولم يكن عند سحيم هذا القدر فعجز ، ولما انقضت المجاعة وزال الضر قال بنو رياح لسحيم : جررت علينا عار الدهر فلو نحرت مثله أعطيناك مكان الناقة ناقتين ، فنحر ثلاثمائة وقال للناس : شأنكم والأكل ؛ فنهى علي كرم اللّه وجهه عن أكلها ، فألقيت على كناسة الكوفة ؛ وفي ذلك يقول جرير في هجو الفرزدق : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا يقول : هلا افتخرتم بالشجاعة ؟ ! . . وهدم الوليد بن عبد الملك بيعة النصارى ، فكتب إليه الأخرم ملك الروم : إن من قبلك أقرها ، فإن أصابوا فقد أخطأت ، وإن أصبت فقد أخطئوا ، فقال له الفرزدق : اكتب إليه : ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهّمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) . واجتمع الحسن البصري والفرزدق في جنازة نوار امرأة الفرزدق فقال له الفرزدق : أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد ؟ قال : لا ، قال : يقولون اجتمع خير الناس وشر الناس ، فقال الحسن : لست بخيرهم ولست بشرهم ، لكن ما أعددت لمثل هذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ ستين سنة « 2 » فقال الحسن : نعم ، واللّه العدة .
--> ( 1 ) كذا في الأصل وب ، وسيرد في الصفحة التالية أنه أبو فراس ، وفي كتاب الكنى والأسماء للإمام مسلم ص 90 : أبو فراس . ( 2 ) في ب : سبعين .