يحيى العامري الحرضي اليماني
102
غربال الزمان في وفيات الأعيان
وفي رجليه قيد وعليه طيلسان عبلي « 1 » وهو قائم على مزبلة وفي يده طنبور يضرب به وهو مستند إلى الكعبة . فقصت رؤياه على ابن سيرين فقال : أما لبسه الصوف فزهده ، وأما كستجته فقوته في دين اللّه ، وأما طيلسانه الأخوي فمحبته للقرآن وتفسيره للناس ، وقيده ثباته في ورعه ، وقيامه على المزبلة دنياه تحت قدميه ، وضربه الطنبور نشره الحكمة بين الناس ، واستناده إلى الكعبة التجاؤه إلى اللّه . ورئي أيضا كأنه عريان لا يستحيي من الناس وبيده سيف يشق به أحجارا ، فقصت على ابن سيرين ، فقال : أما تجرده فقلة ذنوبه وإخلاصه بين الناس ، وسيفه لسانه وكلمته ، والأحجار قلوب الناس ، وشقها دخول وعظه فيها . وقال أبو بكر الهذلي : قال السفاح : بأي شيء بلغ حسنكم ما بلغ ؟ فقال : جمع القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، ثم لم يخرج من سورة إلى غيرها حتى يعلم تفسيرها وفيم أنزلت ، ولم يقلب درهما في تجارة ، ولا ولي سلطانا ، ولا أمر بشيء حتى يفعله ، ولا نهى عن شيء حتى يدعه ؛ فقال : بهذا بلغ الشيخ ما بلغ . وجل كلامه حكم ومواعظ بقوة عبارة وفصاحة . ولما حضرته الوفاة أغمي عليه ثم أفاق فقال : لقد نبهتموني من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم . وقال رجل قبل موته لابن سيرين : رأيت كأن طائرا أخذ حصاة ، فقال : إن صدقت رؤياك مات الحسن ، فمات بعد ذلك ، ولما شيع الناس جنازته لم تقم صلاة العصر في الجامع ، ولم يكن ذلك منذ قام الإسلام . وفي شوال من يوم الجمعة منها توفي شيخ البصرة إمام المعبرين محمد بن سيرين بعد موت الحسن بمائة يوم ، وكان غاية في العلم نهاية في العبادة ، روى عن كثير من الصحابة وروى عنه الجمّ الغفير من التابعين ، وأريد للقضاء ففرّ إلى الشام ثم
--> ( 1 ) عبلة : جارية من قريش أم قبيلة يقال لهم العبلات والنسبة عبلي . ( القاموس ) .