ابراهيم بن حسن البقاعي
33
عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران
لبعضهم : كف عنى وإلا ربطت لك الأسد هنا . فاستخفوا به ، فلما مرّ عليه الأسد قال له : تعال . فجاءه . ثمّ صار كلما مرّ أسد دعاه فيجىء ، ثمّ صاروا يأتونه بلا دعاء . وهو شيخ منور ، عليه سكينة ، كثير التواضع والهضم لنفسه ، والإظهار لمن يجتمع به أنه في بركة أهل العلم ونحو ذلك من الكلام ، ولا يخلو من بله غير قليل . وشرع غالب العامة ومن في معناهم من الطلبة يتوقفون في أمره وينكرون عليه إظهار هذا الأمر ، أو حكايته له في بعض الأوقات مع مبادرتهم إلى اعتقاد من يزينه لهم إبليس ؛ ممن يكشف عورته ويتكلم بالهذيان ، ولا ينكرون عليه لعمري صريح المعاصي ؛ بل يعتذرون عنه بأنه يخرب على نفسه ، يعنون أنه يفعل ما يغطى به أمر ولايته . ولهم في مثل هذا أحوال شديدة النكارة منابذة لشرائع الإسلام ، ولا سيما إن خلط هذيانه بما يدل على كشف بل ولو لم يكن في كلامه ذلك ، فإنهم يصرفونه إليه ، ويرتكبون فيه التآويل البعيدة ، ولا شك أن هذا إذا كان مقصودا له يمكن أن يكون من الشياطين باستراق السمع أو نحو ذلك . وأما حذّاق الطلبة الذين جملهم اللّه بنور العلم فلم أر أحد منهم يشك في صلاحه . فكان توقف المحجوبين بظلمات الجهل فيه ، واعتقاد أولى البصائر من الأدلة على خيره ، نفعنا اللّه وإياكم ببركات الصالحين أجمعين . وحمل السكن بعض الناس أن سأله التوجه معه إلى زاوية كنفوش وأدخله إلى الأسد الذي بها ، ورأيته أنا - وهو كبير - فصنع معه من المعانقة والخضوع ما صنع غيره ، وشاع الخبر بذلك . وممن حدثني به الشيخ على نفسه . ثم صار الناس بعد ذلك يجتمعون عليه وهو في دكانه ، ويزدحمون حتى يتضرر بذلك ويسألهم التفرق عنه ، ويقول لهم إنه بطال ، ونحو ذلك من العبارات التي يريد بها تزهيديهم فيه . ثم أخبرني بعض أصحابي من طلبة العلم : أن شخصا من جيران الشيخ علىّ حكى أنه سمع بقوله لزوجته عن ركوب بعض أجداده السبع في حين مقاولتهما . ثم أخبرني غير واحد ممن أثق به من جيرانه في السوق ، منهم الذي كانت المقاولة معه أن الشيخ علىّ قال لهم ذلك ، كما حكى لي وحلف لي بعضهم على ذلك باللّه وبالطلاق من زوجته ، وقالوا : إن شخصا منهم كثير المزاح رصد الأسد حتى مرّ عليه ، وقال له : يا شيخ علىّ هذا السبع قل له يجئ إليك ؛ فقال له : تعال . وأشار إلى الأسد فجاء . قالوا : فتعجبنا من ذلك ولكن لم يبلغ منا مبلغا كبيرا ، وصار بعضنا يقول : هذا الأسد مربوط الفم ، يدعو غيره . فصار كلما مرّ أسد دعاه فيجىء وأفواههم محلولة ، فخضعنا جميعا