ابراهيم بن حسن البقاعي

74

عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران

بعد مدة ادعى أنه نبي ، قال : فركبت إليه ليلا إلى سكنه بالبدرمان « 1 » من بلاد الصعيد ، فوصلت إليه عند طلوع الشمس ، فناديته من خارج بيته ، فقال من داخله : جيت لك يا قاضي بكري يا أعور ، ثم خرج إليّ فإذا رجل طويل صافي الأدمة ، كث اللحية ، صادق بياض العينين ، مقرون الحاجبين ، وبيده عصا ثخينة جدا طويلة . قال : فقلت له : كيف تكذب على الله وتدعي أنك نبي ، ولا نبي بعد محمد بن عبد الله - صلّى الله عليه وسلم - ولا رسول ، فقال لي : أنا نبي ، وجاءتني فاطمة بنت النبي من السماء ومعها الملائكة ، وأخبروني أنك آت إليّ لتضرب رقبتي ، ومعك قجا « 2 » الكاشف . قال : ثم ضربني بالعصى على كتفي وأضلاعي ضربة قوية ، ثم أراد أن يضرب الثانية ففررت . ثم كتبت إلى ابن الأحدب : إنك غريم الله ورسوله إن لم ترسل إليّ هذا الرجل . فأحضرته ، قال : فضربته ضربا كثيرا وقيدته وسلسلته ، وحبسته مدة يعالج فيها بإطعام الأدهان ونحوها ، فرجع إليه عقله وتاب فحسنت توبته ، واستمر على الذكر والعبادة إلى أن مات رحمه الله . قال : وفي حدود سنة أربع وثمانمائة ، جاء شخص اسمه جلال إلى الشيخ إبراهيم بن زقاعة ، فأخذه ليشفع عند الناصر فرج « 3 » في قضية ، وأركبه على فرس فحل حبشي عال ، أصفر معصم بسواد ، حسن المنظر . قال النجم : فأعجبني ذلك الفرس جدا ، فقلت للشيخ : هذا الفرس لمن ؟ فقال : هذا لمن سيصير ملكا . قال : فسألت عنه ، فقيل : لجقمق « 4 » أخي شركس . ثم لم تمض إلا أيام حتى تسلطن جقمق أوائل سنة 842 ه ، مع أنه كان يظهر العزلة قبل ذلك ، والتغاضي الزائد ، والتغفل عن أحوال الناس ، والتعاطي للأسباب التي تقلل الهيبة ، وعنده تواضع زائد ، وأحوال تنافي أحوال الملوك . فلما ولي لم يوجد أشد من أفعاله في الحروب ولا أشجع ولا أهيب ، مع أنه لم يتغير عن تواضعه وخيره .

--> ( 1 ) من القرى القديمة بمصر - مركز ملوي - بمحافظة أسيوط الآن . انظر : القاموس الجغرافي ق 2 ج 4 / 61 . ( 2 ) ساقط من السليمانية . ( 3 ) هو : الملك الناصر فرج بن برقوق ، أحد سلاطين المماليك الجراكسة ، ( 801 ه ، 815 ه ) . انظر عنه : إنباء الغمر 2 / 530 ؛ المنهل الصافي 8 / 379 - 402 ؛ الضوء اللامع 6 / 168 ؛ بدائع الزهور ج 1 ق 2 / 536 . ( 4 ) هو : الملك الظاهر جقمق العلائي الظاهري أحد سلاطين المماليك الجراكسة ، ولي السلطنة سنة ( 842 ه - 857 ه ) . انظر : المنهل الصافي 4 / 275 - 312 ؛ حوادث الدهور 1 / 393 - 396 ؛ الضوء اللامع 3 / 71 - 74 .