ابراهيم بن حسن البقاعي

142

عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران

يفعله إلا كالمضطر . وكان يجتمع به بعض من حصل له كشف ، فإذا صار بين يديه عجز عن الأخذ عنه فيفكر في نفسه ذلك الرجل ، فيقول له : مثلك مثل الضعيف البصر في الشمس القوية لا يرى شيئا لما يقوى به من الحال . قال : وكان من أكرم الناس وأقواهم جأشا وأزهدهم في المباح ، وكان مغناطيس القلوب ، بحيث أن من رآه أتبعه بصره غالبا ومن جالسه تعلق به . وأسلم على يده سبعة عشر نصرانيا ويهودي واحد . وقال : ما ولد لي ولد إلا صليت عليه صلاة الموت . وطلب منه أولاده في عيد أن يهبهم ثلاثة دراهم ، فقال : بل درهما ونصف ، وبكى وقال : من أين لأبيكم ثلاثة حلال ، فبكوا . فقال : تدلون على يا أولادي ، وعزة رب العزة ما أرجحكم في قلبي عن أولاد المسلمين مقدار ياسمينة . واتفق له أنه عزم على الحج مرة فتكلف جمع ألف درهم فضة ، ثم كارى الجمّال ودفعها إليه فحمله نصف بريد « 1 » ، ثم أخذ جماله وذهب إلى بعض شأنه فهرب ، فلم يقدر عليه فرجع ، ولم يتم له حج في ذلك العام . وأقسم بالله أنه ما تأثر لذلك ولا اختلجت فيه له شعرة . وكان لا يرى بالتأليف ، ويقول : يا ما قال الناس . ولكنه في بعض الأوقات إذا تكلم يقول : هذا يكتب بماء الذهب . وكتب الشيخ خليل « 2 » القابوني من كلامه نحو مائتي كراس ، وكان إذا تكلم في مقام أشهد الحاضرين ذلك المقام وأوقف نفوسهم عليه . قال « 3 » : وقال « 4 » : شبهت قلبي مع لساني مثل قدمي مع طرفي ، ترى العين بريدا فتنقل الرجل خطوة ، والقلب ما يرى من المعاني ما يجل عن الوصف فيتكلم اللسان بكلمة ، وإنه لتتوارد عليّ الأجوبة فأريد الكلام بمعنى فيسبقني غيره .

--> ( 1 ) قيل هو : فرسخان أو أربعة فراسخ ، والفرسخ : ثلاثة أميال ، والميل : أربعة ألاف ذراع . انظر : تاج العروس ( برد ) . ( 2 ) هو : خليل بن عبد الله الأذرعي ، ويعرف بالقابوني . كان صالحا مباركا منقطعا عن الناس مثابرا على العبادة كتب الكثير للناس بخطه الحسن . مات بالطاعون في صفر سنة أربع عشرة وثمانمائة . انظر : إنباء الغمر 2 / 498 ؛ الضوء اللامع 3 / 199 . ( 3 ) القول هنا للمقدسي . ( 4 ) القول لعبد الله المخزومي صاحب الترجمة .