ابن تغري

215

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

ثم انقضت الخدمة ونزلا معا ، فحجب جارقطلو سودون من عبد الرحمن ومشى أمامه ، كل ذلك من غير أن يشير إليهما أحد بذلك ، وما ذلك إلّا لعظم ما كانا عليه من التربية والآداب والمعرفة بقواعد المملكة والترتيب . واستمر الأمير جارقطلو في نيابة دمشق ، وسافر صحبة الملك الأشرف إلى آمد في سنة ست وثلاثين وثمانمائة ، وكثر الكلام في حقه في حصار آمد ، وأشيع عنه أنه يريد الوثوب على السلطان ، وما أظن ذلك كان له حقيقة ، حتى عاد الملك الأشرف إلى دمشق ، فأخلع عليه أيضا خلعة الاستمرار ، وعاد الأشرف إلى الديار المصرية . [ 175 أ ] واستمر جارقطلو هذا في نيابة دمشق إلى أن توفى بها في تاسع عشر شهر رجب سنة سبع وثلاثين وثمانمائة وهو من أبناء السبعين . وكان أميرا جليلا ، وقورا ، معظما في الدول ، كريما ، إلّا أنه كان مسرفا على نفسه ، وفيه دعابة ، وكان غير مشكور السيرة في نيابته بحلب ، ورجمه أهلها غير مرة ، وحمدت سيرته في نيابته بدمشق إلى الغاية ، وكان شيخا أبيض اللحية ، قصيرا جدا ، سمينا ، متجملا في ملبسه ومركبه ، كريما على حواشيه ومماليكه ، وكان عفيفا عن أموال الرعية ، قليل الطمع ، إلا أنه كان عنده بادرة وحدّة خلق مع سفه وسطوه ، وكان جاركسى الجنس . وجارقطلو ، بجيم الأعاجم ، وبعدها ألف ، وراء ساكنة مهملة ، وقاف مضمومة ، وطاء مهملة ساكنة ، ولام مضمومة ، ويجوز كسرها ، كلاهما بمعنى واحد ، وجارقطلو لفظ مركب من أعجمي وتركى ، فجار بالعجمى أربعة ، وقطلو بالتركى مبارك - انتهى .