ابن تغري

134

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

الليلة ، ونزل بمخيمه ، وأقمنا يومنا ، فلما كان في الليل جاءتنا الأخبار بفرار الملك الناصر فرج بن برقوق وأمرائه ، فخرج من مبيته ، وصرنا إليه مع أولاده وأمرائه ليلا ، فسألته من أين علمت أنهم يهربون ؟ قال : أنى لما سرت لرؤيتهم لم أر لهم كشافة ، فدنوت منهم ، وماثلتهم فإذا هم طوائف طوائف ، فأردت أن أعلمهم بمجيئى إليهم ، فأمرت الرجل حتى مضى نحوهم ثم عاد إلىّ فخدمنى كما يخدم الملوك فلم يفطنوا بي ، هذا وأنا محاربهم ولا شئ أهم عند المحارب ممن يحاربه ، فلما علمت أنهم غير مهتمين بي ، وأنهم مع ذلك كل « 1 » طائفة منضمة بعضها إلى بعض ، علمت أنهم في أمر يهمهم ، ولا شئ إلا في « 2 » فرارهم ، فهم مهتمون كيف يفرون . انتهى كلام المقريزي باختصار . قلت : وله أشياء كثيرة من هذا النمط ، منها أنه لما دخل بلاد الهند نازل قلعة منيعة لا ترام لعلوها ، وتعذر النزول حولها فناوش أهلها من بعيد وهم يرمونه من أعلاها حتى قتلوا كثيرا من عسكره ، وكان من أمرائه محمد قاوجين ، وكان عنده بمكانة ، وله به اختصاص زائد بحيث أنه تقدم عنده على جميع الأمراء والوزراء ، فجلس على عادته ثم قال له : يا مولانا هب أنا فتحنا هذه القلعة بعد أن أصيب منا جماعة هل يفي هذا بذا ، فلم يجبه تيمور بل طلب رجلا من المطبخ قبيح المنظر رسخ الثياب مسود الوجه واليدين بالدخان يقال له : هراملك « 3 » ، فعند ما حضر الرجل المذكور أمر تيمور بنزع ثياب قاوجين عنه ، فنزعت ، ثم أمر بنزع خلقات هراملك عنه فنزعت أيضا ، وألبس كلا منهما [ 153 أ ]

--> ( 1 ) « وكل » في ط . ( 2 ) « في » ساقط من ط ، ن . ( 3 ) « هزا ملك » في ن ، في هذا الموضع والمواضع التالية .