ابن تغري

445

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

وكان الناس قد عرفوه « 1 » ؛ فكان بعض الناس يتحيل عليه ؛ فإذا رآه قد دخل المدينة أخذ اثنين بقصص - صورة أنهما رسولا القاضي أو المستولى « 2 » - وأخذا يضربانه ؛ فيستغيث به : يا أبونا يا أبونا ؛ فيقول : ما باله ؟ ؛ فيقولان : عليه دين ، أو اشتكت « 3 » عليه زوجته ؛ فيقول : على كم ؟ فيقولا : على ألفين أو أقل أو أكثر ؛ فيكتب له على شقفة أو غيرها إلى بعض الصيارف بذلك المبلغ ؛ فيقبضه منه . وقيل إن مبلغ ما وصل منه إلى السلطان ، وما واسى به الناس في مدة ثلاث سنين ستمائة ألف دينار مضبوطة بقلم الصيارف الذين « 4 » كان يجعل عندهم المال ، وذلك خارجا عما كان يعطى من يده . وكان لا يأكل من هذا المال ولا يشرب ، بل النصارى يتصدقون عليه بما يمونه . فلما كان سنة ست وستين « 5 » وستمائة ، أحضره الملك الظاهر بيبرس ؛ فطلب منه المال أن يحضره ، أو يعرّفه من أين وصل إليه ؛ فجعل يدافعه ويغالطه ، ولا يفصح له بشئ - وهو عنده داخل الدور - فعذبه حتى مات ، ولم يقر بشئ ، فأخرج من القلعة ، وأرمى ظاهرها على باب القرافة . وكان قد وصل إلى الملك الظاهر بيبرس فتاوى فقهاء الإسكندرية بقتله ، وعللوا ذلك بخوف الفتنة من ضعفاء [ نفوس « 6 » ] المسلمين . انتهى .

--> ( 1 ) « الناس قد عرفوه » مكررة في ن . ( 2 ) « والمستولى » في ط ، ن . وفي فوات ، والوافي : « والمتولى » . ( 3 ) « واشتكت » في ن . ( 4 ) « الذي » في ن . ( 5 ) « ستين » ساقطة من ن . ( 6 ) الزيادة من : الوافي وفوات ، علاوة على السياق .