ابن تغري

431

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

قال المقريزي : الشيخ المعتقد المشهور أحد من تشفيت به العامة إذا مسها الضر ، ويزعمون أن سره يجلب لهم النفع ، ويدفع عنهم السوء والمكروه ، عادة سوقا السفهاء من أهل مصر ، عافانا اللّه منها . كان أبوه أحد الفقراء السطوحية ، وله سمعة وشهرة بناحية أنبوبة من بر الجيزة غربى القاهرة ، وله بها زاوية ، فنشأ إسماعيل واشتغل بالفقه على مذهب الامام الشافعي رحمه اللّه ، وأقبل الناس لزيارته بعد موت أبيه وتبركوا به ، وصار يعمل المولد النبوي في كل سنة ، فيأتيه الناس من الأقطار ، وترحل إليه من الأطراف ، وتخرج بياض « 1 » أهل مصر والقاهرة إليه ، وتضرب بظاهر زاويته الخيم ، ويعقد سوق ، ويجتمع من النسوان والشباب خلق كثير ، فأذكر أنه عمل المولد على عادته في شهر ربيع الأول سنة تسعين وسبعمائة ، فهرع الناس لحضور المجتمع حتى غص الفضاء بكثرة العالم ، وتنوعوا تلك الليلة في الفسوق ، لكثرة اختلاط النسوان والمردان بأهل الخلاعة ، فتواتر الخبر أنه وجد في صبحة تلك الليلة من جرار الخمر التي شربت بالليل فوق الخمسين فارغة ، ملقاة حول الزاوية في المزارع ، وافتضت تلك الليلة عدة أبكار ، [ 190 ب ] وأوقدت شموع بمال كثير ، فبعث اللّه يوم الأحد بكرة صباح ليلة المولد المذكور قاصفا من الريح كدرت على من كان هناك ، وسفت في وجوههم التراب ، واقتلعت الخيم ، ولم يقدر أحد على ركوب البحر ، ولم يعد يعمل مولدا بعدها ، فان الشيخ مات في آخر شعبان من سنة تسعين وسبعمائة ، ودفن بزاويته ، وقد اجتمعت به ، فلم أر فيه ما يقتضى الذم ولا المدح ، سوى أنه كان يمد يده لمن يأتيه حتى يقبلها ، وظهر لي منه أنه حريص على الرئاسة ، غفر اللّه له . انتهى كلام المقريزي .

--> ( 1 ) يقصد ببياض أهل مصر : الأغنياء .