ابن تغري

327

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

فاستمر أرغون شاه مقبوضا عليه إلى تاسع عشرين شوال تسلمه ابن بوالى ليستخلص منه ستين ألف دينار ، فنزل أرغون شاه مع أعوان والى القاهرة « 1 » حتى دخل إلى داره التي كان يسكنها في أيام عمله ، وقد سكن بها ابن بوالى ، فعند ما دخل الدار بكى وكان في بلائه هذا أعظم عبرة ، وذلك أن « 2 » ابن بوالى هذا كان في ابتداء أمره من جملة الأجناد بخدمة الأمير أرغون شاه المذكور لما كان استادارا لأستاذه الأمير نوروز بدمشق ، ثم أنه كان في أمسه يأتي إلى باب داره التي سكنها الآن ويقعد على الباب حتى يستأذن له ، فيأذن له أرغون شاه فيدخل ابن بوالى ويقف على قدميه بخدمة الأمير أرغون شاه ، وها هو اليوم يحكم فيه ويتولى عقوبته ، بل وعاقبه بحضرة [ 163 أ ] الملأ من العامة ، فنعوذ باللّه من زوال النعم . ثم إن الحال انتهى على أن يقوم أرغون شاه بمبلغ عشرة آلاف دينار ، ويمهل بمبلغ عشرين ألف دينار مدة ، وأفرج عنه واستمر بالقاهرة بطالا إلى يوم الخميس رابع شهر رمضان سنة سبع وعشرين وثمانمائة ، أخرج هو وابن بوالى إلى دمشق ، وكان ابن بوالى قد عزل عن الاستادارية بالأمير صلاح الدين محمد ابن نصر اللّه ، فدام أرغون شاه مخمولا بدمشق دهرا ، ثم استقر في استادارية السلطان بها إلى أن مات في حادي عشرين شهر رجب سنة أربعين وثمانمائة . وكان شيخا أعورا ، طوالا سمينا بطينا ، شكلا مهولا ، ظالما عسوفا ، قليل الخير ، كثير الشر ، يخترع الظلم ، سيئة من سيئات الدهر ، فللّه الحمد والمنة على موته وموت أمثاله من الظلمة .

--> ( 1 ) « القاهرة » مكررة في ن . ( 2 ) « في أن » في ن .