ابن قاضي شهبة
76
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
ممن خالفنا ، يعني خالف مالكا ، أحب إلي من الشافعي « 1 » ، وقال سعيد بن عمرو البردعي : سمعت محمد بن عبد الحكم يقول : ليس أبو عبيد عندنا بفقيه ، قلت : لم ؟ قال : لأنه يجمع أقاويل الناس ، فيختار لنفسه منها قولا . قلت : فمن الفقيه ؟ قال : الذي يستنبط أصلا ، من كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يسبق إليه ثم يشعّب من ذلك « 2 » الأصل مائة شعبة . قلت « 3 » : ومن يقو على هذا ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعي . رواه أبو الحسن الآبري ، عن أبي الحسن علي بن محمد بن قدامة الأردبيلي ، عن البردعي ، وقال ابن أبي حاتم : ثنا نصر بن المكي ، ثنا ابن عبدا لحكم قال : ما رأيت مثل الشافعي . كان أصحاب الحديث ونقّاده ، يجيئون إليه ، فيعرضون عليه غوامض علم الحديث . فربما أعلّ نقد النقّاد منهم ، فيوقفهم على غوامض من علل الحديث لم يقفوا عليها ، فيقومون وهم متعجبون منه ، ويأتيه أصحاب الفقه ، المخالفون والموافقون ، فلا يقومون إلا وهم مذعنون له بالحذق والدراية ، ويجيء أصحاب الأدب ، فيقرءون عليه الشعر فيفسره لهم ، ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر من أشعار هذيل ، بإعرابها وغريبها ، ومعانيها ، وكان من أضبط الناس للتاريخ ، وكان يعينه على ذلك شيئان ، وفور عقل وصحة دين . وكان ملاك « 4 » أمره ، إخلاص العمل للّه عزّ وجل « 5 » . وقال أبو سعيد الفريابي : قال علي بن محمد : لمحمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم ، أو قيل له : أن عبد الملك الماجشون ، ناظر لشافعي فضغطه . فقال محمد : لو قيل لعبد الملك : أن الشافعي يريد أن يناظرك ، لظن أن سبعا يريد أن يأكله ، وأين عبد الملك من الشافعي « 6 » ؟ رواه أبو الحسن الآبري . وروي بسنده أيضا ، عن أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي . قال : قلت لمحمد بن عبد الحكم : أين ابن عليّة « 7 » من الشافعي ؟ . قال : ما بينهما إلا كما بين المشرق والمغرب . كنت أناظر
--> ( 1 ) مناقب الشافعي للبيهقي 2 / 246 . ( 2 ) مناقب البيهقي 2 / 272 ، الفخر الرازي : مناقب الشافعي ص 64 . ( 3 ) الفخر الرازي : مناقب الشافعي ص 64 . ( 4 ) الملاك : بالكسر والفتح : قوام الشيء ، ما يعتمد عليه فيه . ( 5 ) مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 21 / 381 ، الفخر الرازي : مناقب الشافعي ص 64 . ( 6 ) الذهبي : سير النبلاء 10 / 49 ، 50 ، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 21 / 392 . ( 7 ) هو إبراهيم بن عليّة من غلمان أبي بكر الأصم شيخ المعتزلة ، قال عنه الشافعي بأنه ضالّ يضلّ -