ابن قاضي شهبة
683
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
725 - عبد الملك « 1 » الطّبريّ . الزّاهد شيخ الحرم في زمانه . ذكره ابن السّمعانيّ في ( ذيله ) فقال : كان أحد المشهورين بالزّهد والورع . أقام بمكّة قريبا من أربعين سنة على الجدّ والاجتهاد في العبادة والرّياضة وقهر النّفس . وكان ابتداء أمره أنّه كان يتفقّه في المدرسة ، فلاح له شيء فخرج على التّجريد إلى مكّة « 2 » ، وأقام بها . وكان يلبس الخشن ، ويأكل الجشب « 3 » ، ويزجي وقته على ذلك صابرا . سمعت أبا الأسعد هبة الرّحمن القشيريّ « 4 » ، يقول : لما كنت بمكّة أردت زيارته ، فأتيته فوجدته محموما منطرحا فتكلّف وجلس ، وقال : أنا إذا حممت أفرح بذلك لأنّ النّفس تنشغل بالحمّى ، فلا تشغلني عمّا أنا فيه فأخلو بقلبي كما أريد . وقال الحسين « 5 » الزّغنديّ : رأيت حوضا يقال له : عنبر والماء في أسفله بحيث لا تصل إليه اليد . فرأيت غير مرة أنّ الشّيخ عبد الملك توضأ منه ، وارتفع الماء إلى أن وصل إليه ، ثم غار الماء ونزل بعد فراغه . وكنت معه ليلة في الحرم وكانت ليلة باردة ، وكان ظهره قد تشقّق من البرد وكان عريانا فنام على باب المسجد . ووضع يده اليمنى تحت خدّه اليمين واليد اليسرى على رأسه ، وكان يذكر اللّه فقلت له : لو نمت في زاوية من زوايا المسجد كان يحميك من البرد فقال : نمت في بعض الليالي فرأيت شخصين دخلا المسجد وتقدّما إليّ وقالا لي : لا تنم في المسجد . فقلت لهما : من أنتما ؟ فقالا : نحن ملكان . فانتبهت وما نمت بعد ذلك في المسجد . وقلت له : إنّي أراك صبورا على الجوع . قال : آكل قليلا من ورق الغضا فأشبع .
--> ( 1 ) ترجمته في : السبكي : طبقات الشافعية 7 / 190 - 192 ، الفاسي : العقد الثمين 5 / 517 ، ابن الصلاح : طبقات الفقهاء الشافعية 2 / 571 . ( 2 ) ابن الصلاح : طبقات الفقهاء الشافعية 2 / 571 . ( 3 ) الجشب : ( بالجيم والشين المعجمة : خشونة العيش ) . ( 4 ) ابن الصلاح : طبقات الفقهاء الشافعية 2 / 572 . ( 5 ) نفسه .