ابن قاضي شهبة
605
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
ولا يخاف من مخالفة أئمّة تتعبها « 1 » ، وعرّفني بعض أصحابه ، أنّه كان له عكوف ، على رسائل إخوان الصّفا ، وهي إحدى وخمسون رسالة ، ومصنّفها فيلسوف ، قد خاض في علم الشّرع ، والنّقل ، فخرج ما بين العلمين ، وذكر الفلسفة ، وحسّنها في قلوب أهل الشّرع ، بآيات يتلوها عندهم وأحاديث يذكرها « 2 » . ثم كان في هذا الزّمان المتأخّر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ، ملأ الدّنيا تواليف في علوم الفلسفة وهو فيها إمام كبير . وقد أدت به قوّته في الفلسفة إلى أن حاول ردّ أصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطّف جهده حتى تمّ له ما لم يتمّ لغيره . وقد رأيت جملا من دواوينه ووجدت هذا الغزّاليّ يقوّل عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة . إلى أن قال : وأما مذاهب الصّوفية فلست أدري على من عوّل فيها لكنّي رأيت فيما علّق عنه بعض أصحابه أنّه ذكر كتب ابن سينا وما فيها ، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيّان التوحيدي وعندي أنّه عليه عوّل في مذاهب الصوفية ، وقد أعلمت أنّ أبا حيان ألّف ديوانا عظيما في هذا الفنّ ، لم ينقل إلينا شيء منه . ثم ذكر المازريّ توهّنه أكثر ما في ( الإحياء ) من الأحاديث « 3 » ، وقال : عادة المتورّعين أن لا يقولوا : قال مالك ، قال الشّافعي فيما لم يثبت عندهم . وفي كتابه مذاهب وآراء في العمليّات وهي خارجة عن مذاهب الأئمّة ، واستحسانات عليها طلاوة لا تستأهل أن يفتى بها . وإذا تأمّلت الكتاب وجدت فيه من الأحاديث والفتوى ما قلته ، فيستحسن أشياء بمعناها على ما لا حقيقة له ، مثل قصّ الأظفار أن تبدأ بالسّبّابة لأنّ لها الفضل على بقيّة الأصابع ، لأنها المسبّحة ، ثمّ تقصّ ما يليها من الوسطى لأنّها ناحية اليمين ، ونختم بالإبهام اليمنى ، وقد ذكر في ذلك « 4 » أثرا . وقال : من مات بعد بلوغه ، ولم يعلم أن الباري تعالى قديم ، مات مسلما
--> ( 1 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 332 ، وابن الصلاح : طبقات 1 / 257 . ( 2 ) كقوله مسندا الحديث : « إنّ القلب بين إصبعين من أصابع الرّحمن » أخرجه مسلم ( 2654 ) في القدر وابن ماجة ( 3834 ) في الدعاء وكقوله : « يضحك اللّه » أخرجه البخاري ( 2826 ) في الجهاد ، ومسلم ( ) في الإمارة ومالك في الموطأ 2 / 460 والنائي : 6 / 38 ، 39 ، وابن ماجة ( 191 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 330 . ( 4 ) النووي : شرح المهذب 1 / 345 ، الغزالي : الإحياء 1 / 141 .