ابن قاضي شهبة

599

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

ثم إنّ أبا حامد خرج إلى المعسكر ، فاقبل عليه نظام الملك ، وناظر الأقران بحضرته ، فظهر اسمه ، وشاع أمره ، فولّاه النّظام تدريس مدرسته ببغداد ، ورسم له بالمسير إليها فقدمها ، وأعجب الكلّ بمناظرته ، وما لقي الرجل مثل نفسه ، ثم أقبل على علم الأصول ، وصنّف فيها ، وفي المذهب الخلاف ، وعظمت حشمته ببغداد ، حتى كانت تغلب حشمة الأمراء ، والأكابر ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدّقيقة ، وممارسة التّصانيف طريق الزّهد ، والتألّه ، فترك الحشمة ، وطرح الرّتبة ، وتزوّد للمعاد ، وقصد بيت اللّه فحجّ ، ورجع على طريق الشّام ، وزار القدس « 1 » ، وأقام بدمشق مدة [ عشر ] « 2 » سنين ، وصنّف بها ( إحياء علوم الدين ) ، وكتاب ( الأربعين ) ، و ( القسطاس ) ، و ( محكّ النّظر ) وغير ذلك . وأخذ في مجاهدة النّفس ، وتغيير الأخلاق ، وتهذيب الباطن ، وانقلب شيطان الرّعونة ، وطلب الرئاسة ، والتّخلق بالأخلاق الذّميمة ، إلى سكون النّفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم ، وتزيّا بزيّ الصّالحين . ثم عاد إلى وطنه ، لازما بيته مشتغلا بالتفكير ملازما للوقت ، فبقي على ذلك مدّة ، وظهرت له التّصانيف . ولم يبد في أيامه مناقضة ، لما كان فيه ، ولا اعتراض لأحد على مآثره ، حتى انتهت نوبة الوزارة ، إلى فخر الملك ، وقد سمع ، وتحقّق من مكانة أبي حامد ، وكمال فضله ، فحضره وسمع كلامه ، فطلب منه أن لا تبقى أنفاسه ، وفوائده عقيمة ، لا استفادة منها ، ولا اقتباس من أنوارها ، والحّ عليه كلّ الإلحاح ، وتشدّد في الاقتراح ، إلى أن أجاب إلى الخروج ، وقدم نيسابور ، وكان اللّيث غائبا عن عرينه ، والأمر خافيا في مستور قضاء اللّه ، ومكنونه ، ورسم له بأن يدرّس بالمدرسة النّظاميّة ، فلم يجد بدّا من ذلك « 3 » . قال هذا كلّه وأكثر منه : عبد الغافر بن إسماعيل في ( تاريخه ) ، ثم قال « 4 » : ولقد

--> ( 1 ) نفسه ، وابن منظور : مختصر تاريخ دمشق 23 / 198 ، الذهبي : سير النبلاء 19 / 322 . ( 2 ) ابن الصلاح : طبقات الفقهاء الشافعية 1 / 261 وورد فيه : ( قريبا من عشر سنين ) . ( 3 ) نفسه 17 / 126 وابن منظور : مختصر تاريخ دمشق 23 / 197 ، وابن تغري بردي : النجوم الزاهرة 5 / 203 وسير أعلام النبلاء 19 / 322 ، شذرات الذهب 5 / 11 . ( 4 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 324 ، 325 ، وتبيين كذب المفتري 291 - 294 ، ابن الصلاح : -