ابن قاضي شهبة

548

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

نحتاج أن نخرج إلى بعض البلاد ليعقد هذا العقد بعض الفقهاء . فقال واحد من المأخوذين : هذا الرّجل الذي يخرج مع جمالكم إلى الصحراء ، فقيه خراسان . فاستدعوني وسألوني عن أشياء فأجبتهم وكلّمتهم بالعربية فخجلوا ، واعتذروا ، وعقدت لهم « 1 » العقد ، وقرأت الخطبة ، ففرحوا واعتذروا ، وسألوني أن أقبل منهم شيئا ، فامتنعت ، فحملوني إلى مكة في وسط السّنة . وذكره أبو الحسن عبد الغافر في ( سياقه ) « 2 » فقال : هو وحيد عصره في وقته فضلا ، وطريقة ، وزهدا ، وورعا . من بيت العلم والزهد . تفقّه بأبيه ، وصار من فحول أهل النظر ، وأخذ يطالع كتب الحديث « 3 » ، وحج ، فلمّا رجع إلى وطنه ، ترك طريقته التي ناظر عليها أكثر من ثلاثين سنة . وتحوّل شافعيا « 4 » ، وأظهر ذلك في سنة ثمان وستين وأربعمائة . واضطرب أهل مرو لذلك ، وتشوّش العوامّ ، إلى أن وردت الكتب من جهة بلكابك من بلخ في شأنه والتشديد عليه ، فخرج من مرو في أول رمضان ، ورافقه ذو المجدين أبو القاسم الموسويّ ، وطائفة من الأصحاب . وخرج في خدمته جماعة من الفقهاء وصار إلى طوس ، وقصد نيسابور . فاستقبله الأصحاب استقبالا عظيما . وكان في نوبة نظام الملك ، وعميد الحضرة أبي سعد محمد بن منصور . فأكبروا مورده ، وأنزلوه في عزّ وحشمة « 5 » ، وعقد له مجلس التذكير في مدرسة الشافعية . وكان بحرا في الوعظ ، حافظا لكثير من الروايات ، والحكايات ، والنّكت ، والأشعار ، فظهر له القبول عند الخاص والعام . واستحكم أمره في مذهب الشافعي . ثم عاد إلى مرو ودرّس بها في مدرسة أصحاب الشافعي ، وقدّمه نظام الملك على أقرانه ، وعلا أمره وظهر له الأصحاب « 6 » . وخرج إلى أصبهان ، ورجع إلى مرو . وكان قبوله كلّ يوم في علوّ . واتّفقت له تصانيف في الخلاف مشهورة ، مثل كتاب « الاصطلام » « 7 »

--> ( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 4 / 22 . ( 2 ) المنتخب من السياق 442 ، التدوين في أخبار قزوين 4 / 119 . ( 3 ) المنتخب من السياق 442 ، 443 . ( 4 ) ابن الجوزي : المنتظم 17 / 37 . ( 5 ) المنتخب من السياق 443 ، والمنتظم 17 / 37 . ( 6 ) نفسه ص 444 . ( 7 ) وهو في الرد على أبي زيد الدبوسي . وهو مخطوط توجد منه نسخة في معهد المخطوطات / المنتظم 17 / 37 .