ابن قاضي شهبة

532

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

وخطب له على منابر خراسان ، والعراق . وكان نظام الملك يدبّر أمره ، فجرى على يده من الرسوم المستحسنة ونفي الظّلم وإسقاط المؤن ، وحسن النّظر في أمور الرّعية ، ورتّب أمور الدّواوين أحسن ترتيب ، وأخذ في بذل الصّلات ، وبناء المدارس ، والرّباطات ، إلى أن انقضت مدة السلطان ألب أرسلان في سنة خمس وستين . وطلع نجم الدولة ، الملكشاهيّة « 1 » ، وظهرت كفاية نظام الملك في دفع الخصوم حتى توطّدت أسباب الدولة . فصار الملك حقيقة لنظامه ، ورسما للسلطان ملكشاه بن ألب أرسلان . واستمر على ذلك عشرين سنة . وكان صاحب أناة وحلم وصمت ، ارتفع أمره ، وصار سيد الوزراء سنة خمس وخمسين وإلى حين وفاته . حكى القاضي « 2 » أبو العلاء الغزنويّ ، في كتاب ( سرّ السرور ) : أن نظام الملك ، صادف في السفر رجلا في زيّ العلماء ، قد مسّه الكلال . فقال له : أيها الشيخ أعييت أم عييت ؟ فقال : أعييت يا مولانا . فتقدّم من حاجبه أن يركبه جنبيّا ، وأن يصلح من شأنه ، وأخذ في اصطناعه . وإنما أراد بسؤاله اختباره ، فإن العيّ في اللسان ( وأعيى : تعب ) « 3 » وروي عن عبد اللّه الساوجيّ ، أن نظام الملك ، استأذن ملكشاه في الحج ، فأذن له ، وهو إذ ذاك ببغداد . فعبر الجسر وهو بتلك الآلات والأقمشة ، والخيام ، فأردت الدخول عليه ، فإذا فقير تلوح عليه سيماء القوم ، فقال لي : يا شيخ أمانة ترفعها إلى الوزير . قلت : نعم . فأعطاني ورقة ، فدخلت بها ولم أفتحها ، فوضعتها بين يدي الصاحب ، فنظر فيها ، وبكى بكاء كثيرا ، حتى ندمت وقلت في نفسي : ليتني نظرت فيها . فقال لي : أدخل علي صاحب هذه الرّقعة . فخرجت فلم أجده ، وطلبته فلم أره ، فأخبرت الوزير ، فدفع إليّ الرقعة ، فإذا فيها : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام . فقال لي : اذهب إلى حسن وقل له : أين تذهب إلى مكة ؟ حجّك هاهنا . أما قلت لك ؟ : أقم بين يدي هذا التركيّ ، وأغث أصحاب الحوائج من أمتي . فبطّل النظام الحج ، وكان يودّ أن يرى ذلك الفقير .

--> ( 1 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 303 ، نسبة إلى ملكشاه بن ألب أرسلان ، السبكي : طبقات الشافعية 4 / 319 . ( 2 ) السبكي : طبقات الشافعية 4 / 328 ، وابن الصلاح : طبقات فقهاء الشافعية 1 / 448 . ( 3 ) ابن الصلاح : طبقات 1 / 448 .