ابن قاضي شهبة
449
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
وقال الحافظ ابن ناصر : أخبرتني أميّ أنّ أبي حدّثها قال : كنت أدخل على الخطيب ، وأمّرضه ، فقلت له يوما : يا سيّدي إنّ أبا الفضل بن خيرون لم يعطني شيئا من الذّهب الذي أمرته أن يفرّقه على أصحاب الحديث . فرفع الخطيب رأسه عن المخدّة وقال : خذ هذه الخرقة ، بارك اللّه لك فيها . فكان فيها أربعون دينارا . فأنفقتها مدّة في طلب العلم . وقال مكّيّ الرّميليّ : مرض الخطيب ببغداد في رمضان في نصفه ، إلى أن اشتدّ به الحال في غرّة ذي الحجّة ، وأوصى إلى أبي الفضل بن خيرون ، ووقف كتبه على يده ، وفرقّ جميع ماله في وجود البرّ وعلى المحدثين ، وتوفيّ « 1 » رابع ساعة من يوم الاثنين سابع ذي الحجّة ، ثم أخرج بكرة الثلاثاء وعبروا به إلى الجانب الغربيّ ، وحضره القضاة ، والأشراف والخلق ، وتقدّمهم القاضي أبو الحسن بن المهدي باللّه ، فكبّر عليه أربعا ، ودفن بجنب بشر الحافي . وقال ابن خيرون : مات ضحوة الاثنين ودفن بباب « 2 » حرب . وتصدّق بماله ، وهو مائتا دينار ، وأوصى بأن يتصدّق بجميع ثيابه ، ووقف جميع كتبه ، وأخرجت جنازته من حجرة تلي النّظامية « 3 » في نهر معلّى ، وتبعه الفقهاء والخلق ، وحملت جنازته إلى جامع المنصور ، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون : هذا الذي كان يذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا الذي كان يحفظ حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وختم على قبره عدة ختمات « 4 » . وقال الكتّانيّ : ورد كتاب من جماعة أنّ أبا بكر الحافظ توفي في سابع ذي الحجة ، وكان أحد من حمل جنازته الإمام أبو إسحاق الشّيرازيّ ، وكان ثقة حافظا ، متقنا متحرّيا مصنّفا « 5 » .
--> ( 1 ) ابن منظور : مختصر تاريخ دمشق 3 / 175 . ( 2 ) باب حرب : أحد أبواب بغداد ، سميت باسم حرب بن عبد اللّه البلخي من قواد شرطة أبي جعفر المنصور . ويقرب الباب مقبرة باب حرب ، ومحلة كبيرة مشهورة تسمى الحربية « ياقوت : معجم البلدان 2 / 237 وابن الجوزي : المنتظم 16 - 134 » . ( 3 ) النظامية : هي المدرسة النظامية في بغداد وكان نظام الملك قد أمر ببنائها . المنتظم 16 / 134 . ( 4 ) ياقوت : معجم الأدباء 4 / 44 ، مختصر تاريخ دمشق 3 / 175 . ( 5 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 18 / 287 .