ابن قاضي شهبة
412
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
ورد من بخارى مشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها ، ليدعى على رؤوس الملأ في كشف البلاء عنهم ، ووصف في الكتاب أنّ رجلا أعطى دراهم لخبّاز يشتري خبزا ، فكان يزينها والصانع يخبز ، والمشتري واقف فمات الثلاثة في ساعة . فلما قرأ الكتاب هاله ذلك ، فاستقرأ من القارئ : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ « 1 » . الآيات ونظائرها ، وبالغ في التّخويف والتّحذير ، وأثّر ذلك فيه وتغيّر في الحال وغلبه وجع البطن من ساعته ، وأنزل عن المنبر ، فكان يصيح من الوجع . وحمل إلى الحمّام ، فبقي إلى قريب المغرب ، فكان يتقلّب ظهرا لبطن ، وبقي سبعة أيّام لم ينفعه علاج ، فأوصى وودّع أولاده وتوفيّ ، وصلّى عليه عصر يوم الجمعة رابع المحرّم . وصلّى عليه ابنه أبو بكر ، ثم أخوه أبو يعلى « 2 » إسحاق . وقد طوّل عبد الغافر ترجمة شيخ الإسلام وأطنب في وصفه : وقال : قال فيه البارع الزّوزنيّ « 3 » : لماذا اختلاف النّاس في متفنّن * لم يبصروا للقدح فيه سبيلا واللّه ما رقي المنابر خاطب * أو واعظ كالحبر اسماعيلا وقال : قرأت « 4 » في كتاب الإمام زين الإسلام من طوس في تعزية شيخ الإسلام يقول فيه : أليس لم يجسر مفتر أن يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في وقته ؟ أليست السّنّة كانت بمكانة منصورة ؟ والبدعة لفرط حشمته مقهورة ؟ أليس كان داعيا إلى اللّه هاديا عباد اللّه ؟ شائبا لا صبوة له ، ثم كهلا لا كبوة له ، ثم شيخا لا هفوة له ؟ يا أصحاب المحابر حطّوا رحالكم ، فقد استتر بحلال التراب ، من كان عليه إلمامكم . ويا أرباب المنابر أعظم اللّه أجوركم ، فقد مضى سيّدكم وإمامكم . وقال الكتّانيّ : ما رأيت شيخا في معنى أبي عثمان الصّابوني زهدا وعلما . كان يحفظ من كلّ فنّ لا يقعد به شيء « 5 » . وكان يحفظ التفسير من كتب كثيرة ، وكان من حفاظ الحديث . قلت : ولأبي عثمان مصنّف في
--> ( 1 ) سورة النحل ( 16 ) الآية ( 45 ) . ( 2 ) الذهبي : تاريخ الإسلام الترجمة رقم 313 ص 227 . ( 3 ) البيتان في السبكي : طبقات الشافعية 4 / 277 ، المنتخب من السياق ، لعبد الغافر ص 135 وفي تاريخ الإسلام للذهبي ص 227 ( رقم 313 ) . ( 4 ) انظر : عبد الغافر الفارسي : المنتخب من السياق 135 . ( 5 ) بدران : تهذيب تاريخ دمشق 3 / 35 .