ابن قاضي شهبة

181

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

فقال : أقم معها ، بعد أن تقول لها : أنت طالق ثلاثا إن طلّقتك . قال ابن عقيل : وله جواب آخر ، أن يقول كقولها : أنت طالق ثلاثا ( بفتح التاء ) فلا يحنث . وقال ابن الجوزي : وأيضا فما كان يلزمه أن يقول لها ذلك على الفور . فكان له أن يتمادى إلى قبل الموت . قلت : ولو قال لها : أنت طالق ثلاثا ، وعنى الاستفهام ، لم تطلق . ولو قال : طالق ثلاثا ، ونوى به الطّلق لا الطّلاق ، لم تطلق أيضا في الباطن . وجواب آخر على قاعدة من يراعي سبب اليمين ، ونيّة الحالف ، أنه ليس عليه ، أن يقول لها كقولها . فإن نيّته كانت إذا آذته بكلام ، أن يقول لها ما يؤذيها . وهذه ما كانت تتأذى بالطلاق . لأنها ناشزة مضاجرة ولأنّ الحالف عنده هذه الكلمة ، مستثناة بقرينة الحال . كما استفتى من عموم إطلاقه كقوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ « 1 » و تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ « 2 » فخرج من هذا العموم أشياء بالضرورة ، وهذا فصيح في كلام العرب سائغ ، لأن الحالف ، لم يرده ، ولا قصد إدخاله في العموم أصلا ، كما لم يقصد إدخال كلمة الكفر لو كفرت . فقالت له : أنت ولد اللّه ، تعالى اللّه ، أو سبّت الأنبياء . فما كان يحنث بسكوته عن مثل قولها . وقال الفرغاني : رحل ابن جرير لما ترعرع من آمل ، وسمح له أبوه في السفر . وكان طول حياته يبعث إليه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان . فسمعته يقول : أبطأت عنّي نفقة والدي ، واضطررت إلى أن فتقت كمّي القميص فبعتهما . وقال ابن كامل : توفي عشيّة الأحد ، ليومين بقيا من شوّال سنة عشر ، ودفن في داره برحبة يعقوب « 3 » ، ولم يغيّر شيبة ، وكان السواد في رأسه ولحيته كثيرا ، وكان أسمر « 4 » إلى الأدمة ، أعين ، نحيف الجسم ، مديد القامة ، فصيحا . واجتمع عليه من لا يحصيهم إلا اللّه ، وصلّى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب . من ذلك قول ابن سعيد بن الأعرابي « 5 » : [ من الخفيف ] : حدث مفظع وخطب جليل * دقّ عن مثله اصطبار الصّبور قام ناعي العلوم أجمع لمّا * قام ناعي محمد بن جرير

--> ( 1 ) سورة النمل ( 27 ) الآية 23 . ( 2 ) سورة الأحقاف ( 46 ) الآية 25 . ( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم 13 / 217 . ( 4 ) ابن الجوزي : المنتظم 13 / 215 . ( 5 ) البيتان في : ابن الصلاح : طبقات فقهاء الشافعية 1 / 111 ، وتاريخ بغداد 2 / 166 - 169 ، والسبكي طبقات 3 / 126 .