ابن قاضي شهبة

111

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

اللقمة في دهليزكم . وقال ابن مسروق : قال الحارث المحاسبي : لكلّ شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العمل ، وجوهر العقل التوفيق . قال : وسمعت الحارث يقول « 1 » : ثلاثة أشياء عزيزة : حسن الوجه مع الضيافة ، وحسن الخلق مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الأمانة . ومن كلامه : ترك الدنيا مع ذكرها ، صفة الزاهدين ، وتركها مع نسيانها صفة العارفين ، وقد كان الحارث كبير الشأن ، قليل المثل ، لكنه دخل في شيء يسير من الكلام فنقموه عليه . قال أحمد بن إسحاق الصّبغي الفقيه : سمعت إسماعيل بن إسحاق السرّاج يقول : قال لي أحمد ابن حنبل : بلغني أن الحارث هذا يكثر المكوث عندك ، فلو أحضرته ، منزلك ، وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه ، فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة ، وأن يحضر أصحابه ، فقال : فيهم كثرة ، فلا تزدهم على الكسب والتّمر . فأتيت أبا عبد اللّه فأعلمته ، فحضر إلى غرفة ، واجتهد في ورده . وحضر الحارث وأصحابه ، فأكلوا ثم صلّوا العتمة ، ولم يصلّوا بعدها ، وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قراب نصف الليل ، ثم ابتدأ رجل منهم ، فسأل عن مسألة . فأخذ الحارث في الكلام وأصحابه يسمعون . كأن على رؤوسهم الطّير ، فمنهم من يبكي ، ومنهم من يحنّ ، ومنهم من يزعق ، وهو في كلامه . فصعدت الغرفة لأتعرّف حال أبي عبد اللّه ، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه ، فانصرفت إليهم ، ولم تزل تلك حالهم ، حتى أصبحوا وذهبوا « 2 » ، فصعدت إلى أبي عبد اللّه فقال « 3 » : ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم ، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل . ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم ثم قام وخرج . رواها أبو عبد اللّه الحاكم ، عن الصّبغي « 4 » ، وقال سعيد بن عمرو البردعي : شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه ، فقال : إيّاك وهذه الكتب . هذه كتب بدع وضلالات ، عليك بالأثر ، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب . قيل له : هذه الكتب عبرة . قال : من لم يكن له في كتاب اللّه عبرة ، فليس له في هذه الكتب عبرة . أبلغكم أن مالكا والثوري والأوزاعي ، صنّفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس ؟ فما أسرع الناس للبدع « 5 » . وقال أبو سعيد بن الأعرابي في

--> ( 1 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 8 / 212 . ( 2 ) في تاريخ بغداد [ فقاموا وتفرقوا ] 8 / 215 . ( 3 ) في تاريخ بغداد « فقلت كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد اللّه فقال : ما أعلم » 8 / 215 . ( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 214 ، 215 ، طبقات الشافعية للسبكي 2 / 39 ، 40 . ( 5 ) تاريخ بغداد 8 / 215 .