ابن قاضي شهبة

102

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

فاختلفوا في الحلقة ، أيّهم يقعد فيها ؟ فبلغ الشافعي ، فقال : الحلقة للبويطي ، فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم الشافعي وأصحابه ، وكانت أعظم حلقة في المسجد . والناس إليه في الفتيا ، والسلطان إليه . فكان أبو يعقوب البويطي ، يصوم ، ويقرأ القرآن . لا يكاد يمر يوم وليلة إلا ختم ، مع صنائع المعروف إلى لناس . قال : فسعي به ، وكان أبو بكر الأصمّ « 1 » من سعى به ، ليس هو بابن كيسان الأصم . وكان أصحاب ابن أبي دؤاد وابن « 2 » الشافعي ممن سعى به ، حتى كتب فيه ابن أبي دؤاد ، إلى والي مصر ، فامتحنه فلم يجب . وكان الوالي حسن الرأي فيه . فقال : قل فيما بيني وبينك قال : إنه يقتدي بي مائة ألف ، ولا يدرون المعنى . قال : وكان قد أمر أن يحمل « 3 » إلى بغداد في أربعين رطل حديد . قال الربيع : وكان المزني ممن سعى به ، وحرملة . قال أبو جعفر الترمذي . فحدثني الثقة عن البويطي ، أنه قال : برئ الناس من دمي إلا ثلاثة : حرملة والمزني ، وآخر « 4 » . وقال الربيع : كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر « 5 » اللّه . ما أبصرت أحدا أنزع بحجّة في كتاب اللّه من البويطي ، ولقد رأيته « 6 » على بغل ، في عنقه غلّ ، وفي رجليه قيد ، وبين الغل والقيد سلسلة حديد ، وهو يقول : إنما خلق اللّه الخلق بكن ، فإذا كانت مخلوقة ، فكأنّ مخلوقا ، خلق بمخلوق . ولئن أدخلت عليه ، لأصدقنّه يعني الواثق « 7 » ، ولأموتنّ في حديدي هذا ، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم . وقال الربيع أيضا : كتب إليّ البويطي ، أن صبّر نفسك للغرباء ، وحسّن خلقك لأهل حلقتك ، فإني لم أزل أتبع الشافعي رحمه اللّه يكثر أن يتمثّل بهذا البيت : أهبن لهم نفسي لكي يكرمونها * ولن تكرم النّفس التي لا تهينها « 8 »

--> - الشافعي ، توفي سنة 264 ه بمصر ، وله مصنفات / ابن النديم : الفهرست ص 298 . ( 1 ) هو محمد بن منذر النيسابوري الفقيه ( أبو بكر ) حاجي خليفة : كشف الظنون 33 ، 135 ، 140 . ( 2 ) ساقطة . ( 3 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 14 / 301 . ( 4 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 12 / 60 ، 61 . ( 5 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 14 / 300 . ( 6 ) ابن الجوزي : المنتظم 11 / ، والخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 14 / 300 . ( 7 ) تاريخ بغداد 14 / 312 . ( 8 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 14 / 302 ، البيهقي : مناقب الشافعي 2 / 101 ، 147 ، -