المقريزي

6

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

وقد ساق ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 ه في خطبة كتابه ( إرشاد الأريب ) قول من سبقوه حول فن التاريخ قال « 1 » : « قالوا : لولا تقييد العلماء خواطرهم بالأخبار ، وكتبهم بالآثار ، لبطل أول العلم ، وضاع آخره ، إذ كان كل علم من الأخبار يستخرج ، وكل حكمة منها تستنبط ، والفقر منها تشتار ، والفصاحة منها تستفاد ، وأصحاب القياس عليها يبنون ، وأهل المقالات بها يحتجون ، ومعرفة الناس منها تؤخذ ، وأمثال الحكماء فيها توجد ، ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس ، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس ، فكل غريبة بها تعرف ، وكلّ عجيبة منها تستطرف ، وهو علم يستمتع به العالم ، ويستعذب موقعه الأحمق ، والعاقل يأخذ مكانه ، ويفزع إليه الخاصي والعامي . . . ففضيلة علم الأخبار تتيه على كل علم ، وشرف منزلته صحيحة في كل فهم » . ولعله حين اختار في مقدمة كتابه هذه الوجازة رآها تكاد توعب كل أسباب التدوين وتقييد الأخبار ، وكتب الآثار ، ورأى أنه يكمن فيها حوافز كبيرة الخطر للمؤرخين والأدباء المبدعين في جميع شعب المعارف الإنسانية . ولئن كان هذا القول شاملا أيضا علم التاريخ فتراجم الرجال فرع منه . وحين وضع ابن خلدون المتوفى سنة 808 ه تاريخه الكبير الذي

--> ( 1 ) في الجزء الأول ص 91 - 92 .