المقريزي
365
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
فنزغ الشيطان بينه وبين الكوراني « 1 » حتى تسابّا ، وحفظ عن الكوراني / أنّه قال له : أنت حمار وأبوك وجدّك ، أو قال : وأسلافك ، فتعصّبت له طائفة من الحنفيّة على الكوراني ، وعقدوا له مجلسا بين يدي السّلطان حضره القضاة وعدّة من مشايخ العلم ، وادّعى على الكوراني بما ذكر ، وأن أبا حنيفة سلفه وشهد عليه بذلك ، فأنزل ماشيا حتى سجن بالجامع المؤيّدي « 2 » حيث سكن قاضي القضاة سعد الدّين الأيّوبي الحنفي « 3 » فإنه الذي ادّعي على الكوراني عنده ، ثم طلب إلى مجلس السلطان ، وعزّر بالضرب تحت رجليه ، وأخرج منفيّا ، فباع أثاثه ، وأخرجت وظائفه ومرتباته ومضوا به في التّرسيم عليه « 4 » حتى نزل بدمشق ، فلما خرج الحاجّ توجّه معهم فردّوه من زيزاء ومضوا به إلى حلب ، فلم يشعروا به حتّى قدم الطّور « 5 » ليمضي في البحر إلى مكّة ، فقبض عليه وساروا به حتى تعدى الفرات ، وذلك كلّه في سنة أربع وأربعين وثماني مائة ، ولا يظلم ربّك
--> ( 1 ) صاحب هذه الترجمة . ( 2 ) يقع هذا الجامع في جوار باب زويلة بالقاهرة ( خطط المقريزي 2 / 328 والخطط التوفيقية 2 / 127 والنجوم الزاهرة 6 / 3 / 347 ) . ( 3 ) هو سعيد بن محمد ، سعد الدين ، قاضي القضاة وشيخ الإسلام ، الديري الحنفي المقدسي ، ولد سنة 768 ه وتوفي سنة 842 ه ( الدليل الشافي 1 / 313 والضوء اللامع 3 / 249 - 253 ) . ( 4 ) الترسيم : الاعتقال في بيت أو مدرسة والمنع من الخروج ( دوزي ) . ( 5 ) الطور : قال ياقوت : « الطور في كلام العرب : الجبل ، وقال بعض أهل اللغة : لا يسمى طورا حتى يكون ذا شجر ، ولا يقال للأجرد طورا » ( معجم البلدان : 4 / 47 ) . وقال أيضا : « الطور : جبل بعينه مطل على طبرية الأردن ، بينهما أربعة فراسخ ، على رأسه بيعة محكمة البناء ، موثقة الأرجاء ، يجتمع في كل عام بحضرتها سوق ، ثم بنى هناك الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل قلعة حصينة ، وأنفق عليها الأموال الجمة ، وأحكمها غاية الإحكام ، فلما كان في سنة 615 ه وخرج الإفرنج من وراء البحر طالبين البيت المقدس أمر بخرابها حتى تركها كأمس الدابر » .