المقريزي
253
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
رجل من الجانّ يقرأ عليّ القرآن ، ثم أذن لي فقرأت حزبي « 1 » ، ثم سار إلى السوق وأنا معه ، فأتى بعض التجّار ، وجلس على حانوته وقال له : هل بعت بالأمس ثوبا صفته كذا ؟ فقال التاجر : قد كان ذلك . قال : وأخبرت الذي اشتراه بأنّ شراءه عليك بزيادة عما اشتريته به عشرين درهما ؟ قال : فبهت عند ذلك التاجر وقال له الشيخ : أين ثمنه ؟ فمدّ التاجر يده وأخرج ورقة حمراء من داخل حانوته فيها دراهم ، فأمره الشيخ بوزنها ، فوزنها فإذا هي قد نقصت عشرين درهما مما كان يعهده بالأمس . قال : فأخرج الشيخ من جيبته ورقة حمراء فيها دراهم فرمى بها إلى التاجر وقال : زن هذه ، فوزنها فجاءت عشرين درهما سواء ، فقال له : خذها فإنّها دراهمك بعينها ، وإيّاك والعود لما صنعت . ثم أقبل عليّ وقال لي : يا محمّد ، إن الجنّي الذي سمعت قراءته علي أحضر إليّ هذه الورقة وفيها ما رأيت من الفضّة ، وأخبرني أنّ هذا التاجر باع ثوبا لرجل ، وأنّه أخبره ثمنه بزيادة عشرين درهما عما اشتراه به ، وأنّه أخذ العشرين الزائدة ، وجعلها في قطعة من الورقة التي صرّ فيها التاجر الدراهم ، وأحضرها إلي ، وذكر لي أن اللّه - عزّ وجلّ - أباح لهم أن يأخذوا ما كان مثل ذلك من موال الإنس التي لا يحلّ لهم أخذها . قال : وأخذ التاجر يتأمّل الورقة التي صرّ بها الدراهم بالأمس ، فإذا هي قد قطع منها قدر الصّرّة التي دفعها إليه الشيخ سواء « 2 » . * * *
--> ( 1 ) الحزب من القرآن : مقدار معلوم من القرآن يداوم المرء على قراءته في أوقات معينة ( مجاز ) . ( 2 ) في هامش الأصل حاشية بخط ابن قاضي شهبة صورتها : « انشغل المصنف - رحمه اللّه - بذكر حكاياته عن ذكر وفاته . وقد توفي سنة إحدى عشرة وثمانمائة في جمادى الأولى . ذكر الحافظ قاضي القضاة أبو الفضل بن حجر في معجمه - أمتع اللّه ببقائه - : وقد أهمل المصنف ترجمة المذكور في تاريخه المرتب على الحوادث ، ذكره لي حافظ العصر فكنا في حيرة من وقت وفاته . نبه على ذلك أبو بكر بن قاضي شهبة » . ووفاته في الضوء 1 / 359 في تاسع عشرين جمادى الأولى سنة 811 وكذا في الشذرات 7 / 90 ولم يذكر ابن حجر في ذيل الدرر سنة وفاته .