المقريزي

229

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

واعتزلهم جملة ، وانقطع في بيت بالخانكاه ، وأعرض عن كلّ أحد ، واقتصر على ملبس خشن حقير جدا ، ويقنع بيسير القوت ، وصار لا ينزل من بيته إلا ليلا لشراء قوته ثم يطلع إليه ، فإن حاباه أحد من الباعة فيما يشتريه من قوته تركه وما حاباه به حتى عرف بذلك ، فترك الباعة محاباته وتبرّكوا بوقوفه عليهم ، ووقفوا عندما يشير لهم به من غير أن يكلمهم . ثم صار لا ينزل من بيته إلا كلّ ثلاث ليال بعد عشاء الآخرة فيشتري قوته ويعود إلى منزله سريعا ، ولا يقبل من أحد شيئا حتى إن رجلا دسّ في قفّته قليل موز وهو لا يشعر به ، فلما عاد إلى منزله ورأى الموز نزل وما زال حتى عرف من دسّه عليه ، فألقاه إليه ولم يكلمه ومضى . وكان يغتسل بالماء البارد في كلّ يوم جمعة شتاء وصيفا ويمضي إلى صلاة الجمعة من أوائل النهار . ويظلّ يصلّي حتى يخرج الخطيب ، فيكون قيامه في تركّعه بنحو ربع القرآن من غير أن تسمع له فيه قراءة ، ويطيل قيامه حتى يكون بقدر ما يقرأ حزبين ، وكان مع محبّة الناس له وكثرة تعظيمهم إيّاه قد صانه اللّه من إقبالهم إليه ، فيمرّ إلى الجمعة وهم يشيرون بأصابعهم إليه ، ولا يدنون منه ، وكان لا يرى مارّا في النهار إلا يوم الجمعة ، أو إذا مات أحد من أهل الخانكاه فكأنما يقال له : مات فلان ، فيشهد جنازته ، ولا يرى ليلا إلا كل ثلاث إذا نزل لشراء قوته ، ولا يجسر أحد أن يدنو منه ، فإن دنا منه أحد وكلّمه لا يجيبه أبدا . أقام على ذلك نحو الثلاثين سنة ؛ وفي أثناء ذلك ترك / النّسخ بالأجرة ، واقتصر على الثلاثين الدّرهم فلوسا في كلّ شهر ، وأفضل منها ما وجد بعد موته . وكان يرى في الليل بسطح الخانكاه قائما على قدميه حتى يقرأ ربع القرآن ، وكان يعرف القراءات