المقريزي

223

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

رباط الآثار ، وعمنا في النّيل ، فغرق شخص كان معنا ممن يتزيّى بزيّ أهل التصوّف ، وكان يسكن يومئذ في منزل كان بحريّ قناطر « 1 » الإوز « 2 » من البرّ الشّرقي من الخليج « 3 » تجاه أرض البعل . واتّفق مجيئه معنا ومجيء زوجته وأولاده إلى منزلي ، وكان من أصحابي ، وعادته يزورني ويزور أهله أهلي . فشقّ عليّ غرقه ، لا سيّما وأهله وأولاده في منزلي ، فأمر الأمير سودن بالغطّاسين وألزمهم بإخراجه من الماء ، وكانوا عدّة ، فتكرّر نزولهم في الماء غير مرّة حتى أعياهم وجوده ورجعنا شرّ رجوع . وأعلمت أهله فأقاموا عزاءه ومضوا إلى منزلهم . فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام حضرت إليّ زوجته وأعلمتني أنّه لما كان في الليل كثر طرق باب منزلهم الذي يفضي إلى الخليج حتى ظنّوا أحدا يريدهم بسوء ، فنزلوا لينظروا من يطرق الباب ، فإذا بزوجها قد طفّ بعد غرقه واحتمله الموج من جزيرة الصّابوني إلى أن حاذى فم الخليج من البحر ، فدخل مع تيّار الماء وأوى إلى باب منزله وصار الموج يحرّكه كلما جرى ماء الخليج فيصيب رأسه الباب حتى سمع أهله طرق الباب » . قال : « فقمت في الحال إلى الأمير سودن وأعلمته فسار وأنا معه حتى شاهدناه في الماء ورأسه عند باب منزله ، فأخرجناه وغسّلناه وشهدنا جنازته » وهذا من أعجب الأخبار ، لا سيّما من عرف هذه المسافة في ماء النيل . * * *

--> ( 1 ) بحري : تعبير مصري دارج حتى اليوم يراد به ما في شمال القاهرة من الأقاليم حتى البحر الأبيض المتوسط ، وعكسه قبلي أي ما يقع جنوبي القاهرة حتى حدود السودان . ( 2 ) هذه القناطر على الخليج الكبير على النيل ، أنشأها الملك الناصر قلاوون سنة 725 ه إلا أنها خربت الآن ( خطط المقريزي 2 / 148 ) . ( 3 ) يقصد بالخليج النهر الصغير الذي يختلج ويتفرع من نهر كبير أو من بحر ، وبمصر خلجان كثيرة تنظر في خطط المقريزي ج 2 ص 139 .