المقريزي
205
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
مات ابن عمها وتزوّجها من بعده وتمتع كل منهما بصاحبه ، والعاقبة للمتقين . وأخبرني الشيخ الشّريف أبو بكر أنه تزوج بامرأة كانت قبله تحت رجل من ديار / بكر « 1 » العليا في قرية منها يقال لها الدّنين ، وأن بعض جاراتها من الفقراء خرجت لتلتقط من وراء الحصّادين ما لعله يسقط منهم عند الحصاد ، فتركت ابنها ، وكان مرضعا ، بمكان من الأرض ، وغدت تلتقط ، فلما رجعت إليه إذا بحية عظيمة قد ركبت صدر الصبيّ ، وأدلعت لسانها تلحس شفتيه ، فصرخت المرأة لهول ما عاينت ، واجتمع الناس إليها لا يدرون ما يعملون ، فانتبه الصبيّ ، وكان راقدا ، وتحرّك حتى خرجت إحدى يديه من قمطه ، وقبض بها على الحية ، فصادفت يده مخانقها ، وفحص برجليه وبكى ، وزاد اضطرابه وضغطه للحية ، والناس ذاهلون قد تحيّروا في أمرهم ، إن ضربوا الحيّة مات الصبيّ من ضربتها ، أو تركوها لا يأمنوا أن تلسعه . وبيناهم في ذلك إذ انساب ذنب الحيّة وارتخت ، فقال بعضهم : قد كفى اللّه أمر الحية ، إنها ماتت وأمر أمّ الصبيّ فأتته وأخرجت ثديها ووضعته عند فم الصبيّ ففرّج أصابعه عن مخانق الحية وتناول الثدي وارتضعه ، وضرب القوم الحية حتى هلكت . فعدّ هذا من عجيب صنع اللّه بعباده ، وخفيّ لطفه كيف ألهم الطفل الصغير العاجز من كل وجه أن
--> ( 1 ) ديار بكر : بلاد كبيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل ، وحدّها من دجلة إلى بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة إلى سعرت وحيزان وحيني وما تخلل ذلك من البلاد ، ولا يتجاوز السهل وهي ناحية ذات قرى ومدن كثيرة بين الشام والعراق ، قصبتها الموصل وحران ( معجم البلدان 2 / 494 ومراصد الاطلاع 2 / 547 ) .