المقريزي
71
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
عند انتقاله إلى وظيفة نظر الجيش ، فباشرها مدة ثم انتزعها منه سعد الدّين ابن بنت الوزير الملكي ، فعاد إلى ما كان عليه حتى أتاه أجله في ليلة السبت ثالث عشر صفر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة ، ودفن بحوش الصّوفية خارج باب النّصر من القاهرة عن نحو سبعين سنة ، وجاورنا بحارة برجوان سنين . وكان خيّرا سيوسا حشما متودّدا عارفا متديّنا ، ونسك في آخر عمره ، وعكف على تلاوة القرآن ، سمع مرة قوما يقعون في أهل الدولة فقال : البطّالون أعداء الدول . أخبرني الرئيس شمس الدّين محمد بن عبد العزيز ، قال : أخبرني ناصر الدّين محمد بن قاسم المقدسي حاجب قاضي القضاة برهان الدّين إبراهيم ابن جماعة أنّه وقع في مدينة القدس غلاء ، وكان عند البرهان ابن جماعة - وهو يومئذ خطيب القدس - قمح فأمرني أن أبيعه كلّه ، فتوقفت وقلت : يا سيدي كيف نبيع القمح والغلاء قد وقع كما علمت ، فصمّم وألزمني بيعه ، فلم أطق مراجعته لشدّة مهابته وبعت سائر ما كان عنده من القمح وأنا حنق ، فلمّا كان يوم الجمعة صعد منبر المسجد الأقصى وحثّ النّاس على الصّدقة ورغّبهم في المواساة للفقراء وصدع في وعظه بما أبكى به العيون ووجلت منه القلوب ، فلمّا انقضى اليوم انحلّ السّعر ، فجئته مهنئا بما منّ اللّه به على النّاس ببركة موعظته واجتماع القلوب بالأمس على الدّعاء بخشوع وحضور فقال : يا بني لا ينبغي للواعظ أن يأمر النّاس بخير حتى يتّصف به ولا ينهاهم عن شيء ما لم يتجنبه ، وكان يقبح بي أن آمر النّاس بفعل الخير وأحثّ أغنياء النّاس أن يواسوا الفقراء بما منّ اللّه عليهم من فضول أموالهم وعندي قمح قد استقام ثمنه عليّ بالرّخيص ، فبعته ليفرّج اللّه به عن النّاس ويتسعوا به وأكون أشتري معهم القمح كما يشترون ، فلمّا علم اللّه صدق نيتي أسمعهم الموعظة واستجاب دعاء فقيرهم وفرّج عنهم بمنّه . ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك تقبل إن وعظت ويقتدى * بالقول منك وينفع التّعليم