المقريزي

32

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

نفخت « 1 » وصاروا يسبحون بها حتى قطعوا الفرات وألجئوا الصّدر إلى عمل مثل ذلك ، والرّجل لا معرفة له بالسّباحة فغرق هناك في شوال سنة ثلاث عشرة وثماني مائة . ومن العجب أنه رحمه اللّه كان لا يجسر أن يركب في النّيل من برّ مصر إلى الرّوضة فرقا من الغرق ، فيهجر منزله بالرّوضة مدّة زيادة النّيل من أجل أنه لا يصل إليه إلا في مركب ، ثم ركب بحر النّيل فكاد من شدّة الخوف أن يفتضح وأنا أحدّثه في آخر عمره . وحدّثني صاحبنا القاضي نور الدين أبو الحسن عليّ ابن شيخنا الإمام سراج الدين أبي حفص عمر ابن الملقّن رحمه اللّه ، وكان أثيرا عند الصّدر خصيصا به ، قال : ركبت مع قاضي القضاة صدر الدين المناوي في بحر النّيل فكاد من شدّة الخوف أن يفتضح وأنا أحدّثه وأخفض عنه وهو كالمذهول لما به ، فلمّا صرنا إلى البرّ قال لي : يا نور الدين عندي مولد رصدي عمل لي لمّا ولدت وقد ذكر فيه أشياء منها أني أملك مالا كثيرا وأكون منعّما ، ومنها أني أبتلى بسفر طويل بعيد ألقى فيه هوانا كثيرا وذلّا عظيما ، وأن منيّتي تكون غرقا في الماء ، فلذلك أخاف من ركوب النّيل فقدّر اللّه سفره مع العسكر من القاهرة إلى بلاد الشام ووقوعه في الأسر ومقاساته من العذاب والإهانة والعريّ والجوع وغير ذلك من أنواع الشّقاء ما لا يمكن حكاية وصفه ، ثم غرق آخر ذلك إما في آخر سنة ثلاث أو أول سنة أربع وثماني مائة عند قنطرة باشا من نهر الزّاب بالفرات عفى اللّه عنه وغفر له ، فلقد كان من عظماء الناس وسراتهم ومترفيهم . أخبرني من لفظه قبل سفره الذي مات فيه بمدة أنه إلى ذلك الوقت أكمل وطء سبع مائة وخمسين سرّيّة من الإماء إلى غير ذلك من أعلى

--> ( 1 ) هكذا في الأصل ، فكأن شيئا قد سقط على الناسخ من الكلام ، فكأن المصنف يشير إلى أن التمرية لما أرادوا عبور النهر استعملوا بعض الأجربة المنفوخة .