المقريزي
29
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
على أخذ أموال اليتامى ، وكان إذ ذاك بمودع الحكم مال جزيل فاستدعى الأمير منطاش قاضي القضاة صدر الدين والتمس منه أن يدفع إليه مال الأيتام على سبيل القرض ، فامتنع من إجابته إلى ذلك وتشدّد في المنع وبالغ في الكلام حتى قال : يا أمير أموال اليتامى منتنة وأحاشيك من هذا ، فقابله على ذلك بمكروه أسمعه إياه وتوعّده بسوء ، وهو لا يزداد إلا دفاعا له عن أموال الأيتام ، فلمّا يئس منه صرفه عن مجلسه ، فبلغ ذلك بدر الدين محمد بن أبي البقاء وكان له مدة منذ عزل عن القضاء كما ذكر في ترجمة ابن الميلق خبر صرفه ، فاستمرّ إلى أن قدم الأمير يلبغا النّاصري وثار عليه منطاش فولّاه قضاء دمشق وشرع في أسباب السّفر إليها ، فثنى عند ذلك عنانه عن التّوجّه إلى دمشق وسعى في ولاية قضاء مصر ووعد ذلك بمال من عنده مع ما يدفعه من أموال اليتامى وأعانه على الولاية ناصر الدين محمد بن رجب وهو يومئذ شادّ الدواوين ، فاستدعاه منطاش وقد برز يريد السّفر وألبسه تشريف القضاء من منزلة الرّيدانية خارج القاهرة عوضا عن الصّدر المناوي في السابع عشر من ذي الحجة على مضيّ ستة وأربعين يوما من ولاية الصّدر ، ولزم الصّدر داره على حال تجلّة وتكرمة من الناس وبيده سائر ما كان معه من الوظائف قبل تقلّد القضاء إلى أن قدم الظّاهر برقوق إلى قلعة الجبل واستولى على مملكة مصر وعزل البدر محمد بن أبي البقاء عن وظيفة القضاء بالعماد أحمد بن عيسى الكركي ثم عزل العماد الكركي واستدعى السّلطان الصّدر المناوي في يوم الاثنين ثاني المحرم سنة خمس وتسعين وسبع مائة ، وقلّده قضاء القضاة وأفاض عليه التّشريف اللّائق به على العادة ، فباشر القضاء مرة ثانية إلى أن عرض للسّلطان الملك الظّاهر سفر إلى البلاد الشامية فاستدعاه والتمس منه أن يقرضه من أموال اليتامى فجرى معه على عادته في الامتناع وانصرف عنه ، فثار البدر محمد بن أبي البقاء وتحرّك للسّعي ووعد بإعطاء مال اليتامى ، فطلب إلى المخيّم وألبس تشريف القضاء يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وسبع مائة ،