المقريزي

313

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ترتيب النّاس على الأسوار وأنفق في المقاتلة ووعدهم ، فأصبح وقد عظم ملكه بعد اتضاعه ، وصار القائم بأموره عبد العزيز هذا ، وإرادته ماضية وتدبيراته سعيدة ففوّض إليه السّلطان الوزارة ، وجعل إليه جميع أمور المملكة ، فنهض بأعبائها وقام بمهماتها في مثل تلك الحروب المبيرة ، والخطوب القادحة حتى ملك سلطانه وصار طوع يده ، لا يحل أمرا ولا يبرمه إلا به وعلى يديه ، فإنه كان لا يريده لغرض من أغراضه إلا أجابه وفق مراده وكما يحب ، فتمكن من الدّولة تمكنا لا غاية له ، وانفرد بالتّنفيذ وتصريف الأمور دون كلّ أحد ، ثم أخذ في قتل من يناؤه أو ينتقصه ، فأغرى بهم السّلطان حتى سفك دماء كثيرة وقتل خلائق من رجال الدّولة ، لينفرد بتنفيذ الأمور ويخلو له وجه سلطانه حتى تمّ له مراده من ذلك . وكان مع هذا كريما ، مفضالا ، فساد ببذله وعطائه وكاتب ملوك المغرب ورؤساء القبائل من العرب وكاتبوه . فلما قتل السّعيد أبو عبد اللّه محمد تفرّج السّلطان أبو سعيد من همّه فأخرج ابن الأحمر من الأندلس غير واحد لمناصبة أبي سعيد ، فقام عبد العزيز بمكايدتهم ثم إنّه خاف سلطانه واستوحش منه فقتله كما ذكر في ترجمته وأقام بعده ابنه ، وقام بتدبير الدّولة على عادته إلى أن خرج أبو زيّان محمد بن أبي طريف محمد بن أبي عنان من الأندلس فنزل تلمسان على متملّكها عبد الواحد بن أبي حمّو وجهّزه إلى فاس ، فخرج إليه أهلها مع يعقوب الحلفاوي ، فما زال به الحلفاوي حتى أخذه وقتله كما ذكر في ترجمته وذلك في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثماني مائة ولما قدّم للقتل أنشد : خان القريب فكيف من هو نائي * لم يبق إلا في الإله رجائي وإذا تعلّقت النّفوس بربّها * بلغت مقاصدها بغير عناء