المقريزي

305

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وأسرف في سفك الدّماء وأخذ الأموال ، وتجاوز الحدّ والمقدار والظّلم ، ثم طلب الزّيادة في العلو والفساد في الأرض ، فبذل للناصر أربعين ألف دينار ، فولّاه وظيفة الأستادارية عوضا عن الأمير تاج الدين عبد الرزاق ابن الهيصم في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمان مائة ، فوضع يده في النّاس بأخذ أموالهم بغير شبهة من شبه الظّلمة حتى دخل الرّعب على كل بريء ، وكثرت الشّناعة عليه وساءت القالة فيه ، فصرف في يوم « 1 » . . . ذي الحجة منها ، وسرّ النّاس بعزله سرورا كثيرا وعوقب عقوبة لم يعهد مثلها في الكثرة حتى أيس منه كلّ أحد ، ورقّ له أعداؤه ، وهو في ذلك يظهر من قوة النّفس وشدّة الجلد ما لا يوصف ، ثم خلّي عنه ، وعاد إلى ولاية قطيا ، ثم صرف عنها وخرج مع النّاصر إلى دمشق بغير وظيفة وشهد واقعته بها ، فلما قتل النّاصر تعلّق بحواشي الأمير شيخ ، وقدم معهم إلى القاهرة فأعيد إلى كشف الوجه البحري . فلما صرف الأمير بدر الدين حسن بن محب الدين الطرابلسي من الأستادارية ولّى الملك المؤيّد شيخ فخر الدين الأستادارية عوضه في يوم الاثنين آخر جمادى الأولى سنة ست عشرة ، وعمل الأمير بدر الدين مشيرا ، وأضيف إلى فخر الدين ما كان بيده من كشف الوجه البحري ، فلم يسلك في ولايته الأستادارية في هذه المرّة الثانية ما كان عليه في الأيام الناصرية من التّهور في أخذ أموال أهل القاهرة ، وقنع بما أحدثه في الأرياف من كثرة الأسواق في أخذ الأموال . وسار إلى الوجه القبلي ، وقدم منه في ثالث عشري ذي الحجة منها ومعه من الخيل والجمال والأبقار والأغنام وسائر أنواع المال الصّامت من الذّهب وحلي النّساء المصوغ ومن الغلال والعبيد والأماشي كثير جدا ، وذلك أنّه كان إذا قدم على المدينة أو القرية هجمها ونهب ما عساه

--> ( 1 ) بياض في الأصل .