المقريزي

301

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ابن قلاوون الجمعة في رجب طلب منه الإعفاء من ولاية القضاء ، واستأذنه في التّوجه إلى مكة صحبة الرّكب ، فقام الأمير شيخو العمري بمساعدته والسّلطان يأبى أن يعفيه من القضاء فلما طالت مراددته للسّلطان التمس منه أن يعيّن من يصلح ، فأثنى على نائبه القاضي تاج الدين بن إسحاق المناوي ، فولّاه السّلطان وهو غائب إذ ذاك عن المجلس ، وقام قاضي القضاة وفي ذهنه أن قد أعفي وولي التاج المناوي عوضه . فلما رجع إلى منزله وأعلم التّاج بذلك تمنّع وأصبح النّاس يوم السبت ينتظرون ولايته ، فلم يعجب الأمراء عزل ابن جماعة ، ورجّعوا السّلطان عن إعفائه ، فبعث إليه بالأمير الخازن دار فما زال يعالجه أشد المعالجة في العود إلى الوظيفة وهو يمتنع ، فتركه وعاد إلى السّلطان فأخبره بتصميمه على الامتناع ، فاستدعاه يوم الاثنين وما زال يرادد ويلح عليه في العود وهو يأبى إلى أن ألبسه التّشريف ، وأقرّه على عادته ، وأن يتوجه إلى مكة ويستخلف من شاء ، فنزل على ذلك واستخلف التّاج المناوي ، ومضى إلى مكة وعاد في سنة خمس وخمسين . فلم يزل على ذلك إلى أن قام عليه الأمير صرغتمش وعزله بالشيخ بهاء الدين عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عقيل لمعارضته له في نقض أوقاف الصاحب علم الدين بن زنبور ، فولي ابن عقيل في يوم الخميس ثامن عشري جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين ، فلم يقم غير قليل ، وأعيد قاضي القضاة عزّ الدين في حادي عشري رمضان منها ، وقد قبض على الأمير صرغتمش ، فاستمر إلى أن عانده الوزير فخر الدين ماجد ابن قزوينة فتضجّر منه وسأل في الإعفاء ، فلم يسمح له بذلك ، وكثر تسلّط الوزير فاتفق موت رجل وله وارث ، فأحاط الوزير بماله ، فبعث إليه قاضي القضاة يعرّفه باستحقاق الوارث مال الميّت شرعا ، فلم يلتفت إلى قوله ، فعزل عند ذلك نفسه ، وامتنع من الحكم ، فنزل إليه الأمير الكبير يلبغا العمري القائم بالدّولة ، ودخل إليه منزله بالجامع الأقمر من القاهرة ، وسأله في العود إلى الحكم فامتنع عليه امتناعا كبيرا والأمير