المقريزي

90

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وفي هذه الولاية تنجّز مرسوم السلطان أنّ القاضي الشافعي « 1 » لا يستخلف غير أربعة نوّاب ، وكلّ من القضاة الثلاثة يستخلف نائبين فقط ، وذلك أنّ القضاة قد كانوا أكثر من النّواب . هذا وأحوال الدولة بعد قتل الأشرف قد تغيّرت وحدثت أمور لم تكن تعهد ، فثقل ذلك على البرهان ، وصارت الكلمة مفرّقة ، والأغراض مختلفة ، والأهواء متباينة ؛ وكلّ واحد من أمراء الدولة يسوم البرهان أمرا وهو لا ينقاد لهم ، فتقلق وعزم على عزل نفسه ، فاتّفق أنّ شخصا كان يعرف بابن نهار أراد أن يبيع ربعا مما وقف عليه ، فمنعه البرهان من بيعه ، فطلب من الأمير الكبير برقوق أن يعقد مجلسا للنظر في ذلك ؛ فلما حضر القضاة والفقهاء بسط لسانه بالإساءة على البرهان ، فقام من فوره وعزل نفسه ، ونزل بظاهر البلد ، وأخذ يتجهّز إلى القدس ، فبعث إليه الأمير برقوق يضرع إليه فلم يجب ، وألح عليه بأكابر الأمراء حتى حضر إليه فترضّاه وأفاض عليه تشريفا يليق به ، وأمر بابن نهار فضرب وشهر بالبلد ، وهو ينادى عليه : هذا جزاء من يسيء على قضاة القضاة . واستمر البرهان ، وقد ثقل على الأمير برقوق مكانه لكثرة ما يبادر لعزل نفسه حتى حلّفه أنه لا يعزل نفسه إلا بمراجعته ، وأخذ برقوق في أسباب جلوسه على تخت الملك ، وخاف من معارضة البرهان وإبائه من خلع ابن الأشرف ، ففطن البدر ابن أبي البقاء بشيء من ذلك ، فسعى في القضاء بمال ، وصادف سعيه تبرّم البرهان ، فصرفه برقوق يوم الخميس آخر صفر سنة أربع وثمانين وسبع مائة ، وولّى البدر محمد بن أبي البقاء ، فتجهّز البرهان وسار يريد بيت المقدس ، فباشر الخطابة على عادته ، وذكر بعض الأمراء يوما لبرقوق بعد ما تسلطن وتلقب بالملك الظاهر أمر ابن جماعة وقال : يا مولانا السلطان يكون ابن أبي البقاء قاضي المسلمين وابن جماعة معزولا ، واللّه حيف . فقال السلطان : صدقت ، لكن ابن جماعة لا يوافقني ولا يوافقك

--> ( 1 ) سقطت من ج .