المقريزي

88

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وآخر ، فهابه الناس . وكان يلي نظر الجيش إذ ذاك محب الدين ، وقد تمكنت رياسته فعارض البرهان في قضية أنف منها وامتنع من الحكم ، فلما بلغ ذلك الأشرف أرسل إليه يترضاه فلم يرض ، فما زال يبعث إليه حتى أذعن للاجتماع به بعد جهد ، فنزل إلى داره أمير وسار به وعليه عمامة صغيرة وملّوطة « 1 » إشارة إلى تركه زيّ القضاة ، فلما أقبل على الأشرف ترضّاه ولاواه وهو يأبى أن يعود إلى وظيفة القضاء . ثم إنه أذعن بعد اللتيا والتي فأفاض عليه التّشريف اللائق به وعاد إلى منزله . فلما خرج الأشرف إلى الحجاز يريد الحج في شوال سنة ثمان وسبعين وسبع مائة سار معه البرهان ورفقته القضاة الثلاثة ، فكان من واقعة العقبة ما كان ، وفرّ الأشرف ، وكان رأس تلك الفتنة الأمير طاشتمر الدوادار « 2 » ، فقال له يومئذ البرهان : « يا طشتمر ، هذه كلها فتنتك يا عدو اللّه ، واللّه إن مكنني اللّه منك لأضربنّ عنقك » فبهت طشتمر ولم يفه بكلمة لما كان له في نفوس أهل الدولة من الإجلال والوقار ، فقال له قاضي القضاة بدر الدين عبد الوهاب بن أحمد الإخنائي المالكي : يا مولانا قاضي القضاة ، ما هذا الكلام في هذا المكان ؟ نقتل جميعا . فكهره « 3 » ، ومضى الأمراء إلى القاهرة وأقاموا عليّ ابن الأشرف في دست المملكة ولقبوه بالملك المنصور ، وفي نفس طشتمر أحقاد على البرهان لقوله له ما قاله في العقبة ، فأخذ يغري به الأمراء ويقول : هذا كان يستقل أستاذكم ، يعني الأشرف ، فكيف يراكم في عينه شيئا ؟ وصادف ذلك سعي البدر محمد بن أبي البقاء ، فصرف يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة تسع وسبعين وله ست سنين وثلاثة عشر يوما بالبدر محمد بن أبي البقاء ، فسار إلى القدس ، وباشر الخطابة على عادته إلى أن كثرت

--> ( 1 ) الملوطة : هي اللباس الفوقاني الواسع الذي كان يلبس فوق الفرجية ( دوزي 10 / 108 ) . ( 2 ) ينظر في هذه الواقعة وجيز الكلام للسخاوي 1 / 222 فما بعد . ( 3 ) كهره : شتمه ، أو انتهره .