المقريزي
6
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
العملية من سنة 730 إلى 860 ه أي مائة وثلاثين سنة . أما متى بدأ المؤلف بوضع هذا الكتاب فقد أشار إلى ذلك في مقدمته « ناهزت سني العمر الخمسين » فيكون ذلك حوالي سنة 816 ه إذا أنّ مولده كان سنة 766 ه ، واستمر فيه إلى قرب وفاته ، سنة 845 فيكون قد استغرق التأليف والإضافة ثلاثين سنة . ولكن هناك ما يدل على أنّ الكتاب كان قد أنجز معظمه في سنة 839 ه بحيث إنّ المؤرخ ابن فهد قد كتب في تلك السنة على نسخة المؤلف : إنّه طالعه من أوّله إلى آخره مستفيدا منه داعيا لمؤلفه بالبقاء . ولقد خصّص المقريزي محتوى الكتاب بتراجم « الأعيان » ، فلهذا لا ترى فيه تراجم للحرفيين أو أصحاب الصناعات أو الفلاحين أو المزارعين . وهذا الكتاب يختلف عن مؤلفات المقريزي الأخرى ، إذ أنّه يعتمد على اتصالاته وملاحظاته الشخصية عن المجتمع ، وبخاصة عن رجال الحكم والسلطة ، ورجال القضاء ، وأصحاب العلوم الدينية خاصة رجال الحديث ، فيكاد يذكر كلّ من حدث أو تلقى الحديث النبوي ، وكذلك التفسير والفقه ، وبدرجة أقل القراء . ثم يترجم لبعض التجار ويشير إلى المشاكل الاقتصادية . ثم يذكر حكام البلاد المجاورة ويعود إلى بداية الحكم أو الأسرة الحاكمة في تلك البلاد ، مثلا الخلفاء العباسيين ، وحكام اليمن ، وهو لاكو ومن سبقه ، وتيمورلنك وجماعته وبداية الدولة العثمانية ، وملوك الهند المسلمين وبهذا تكون المدة التي يتناولها الكتاب أكثر بكثير من الفترة المعاصرة . ولقد حدثت في هذه المدة نفسها خطوب وكوارث كبيرة أهمها احتلال تيمور لنك لبغداد وحلب ودمشق وتهديده للدولة المملوكية سنة 803 ه ، بحيث أصبح يكتفي بذكر « الكائنة » ليقصد بها تدمير دمشق ، ويكتفي بذكر « الجفل » ليعني الهروب من بلاد الشام إلى مصر . وهكذا نزح عدد من علماء العراق إلى بلاد الشام ، ثم نزح كثيرون من أهل الشام والنازحين إليها إلى الديار المصرية . وحدث نزوح آخر إلى مصر من بلاد الأندلس بعد فقدانها ، ومن المغرب والجزائر وتونس بسبب الاضطرابات فيها . ولم يكن هناك موانع للانتقال من بلد عربي أو إسلامي إلى بلد آخر ، كما أن السكنى والعمل فيها لم يجد ما يعيقه ، مما أدى إلى وجود كثيرين من المثقفين في مراكز الجذب الثقافي أو الاقتصادي . ولكن من الناحية الثانية كان العسف والقهر من قبل القائمين على الحكم أمرا كثير الحدوث كما يظهر في