المقريزي
552
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
طوائف طوائف ، فأردت أن أعلمهم بمجيئي إليهم ، فأمرت الرّجل حتى مضى نحوهم ، ثم عاد إليّ وخدمني كما تخدم الملوك ، فلم يفطنوا بي ، هذا وأنا محاربهم ولا شيء عند المحارب أهمّ ممّن يحاربه ، فلما علمت أنّهم غير مهتمّين بي وأنهم مع ذلك كلّ طائفة منضمّة بعضها إلى بعض ، علمت أنهم في أمر يهمّهم ولا شيء إلا فرارهم ، فهم مهتمّون كيف يفرّون . ومنها أنه لما نزل على مدينة سيواس وامتنعت عليه ، قال لعسكره : إنا نفتح هذه المدينة بعد ثمانية عشر ليلة ، فكان كذلك . وكان ذا مغالطات إذا دهمه أمر يريد دفعه أظهر أنه راغب فيه وكان كثيرا ما يظهر الزّهد في شيء وهو يريده ، وكان إذا قصد موضعا ورّى بغيره وعمّى عنه . قال لي ابن خلدون : قال لي عبد الجبار : من حدّثك أنّ تيمور إذا رحل يعرّف أحدا أين يقصد ، فلا تصدّق ، ومن حدّثك أنه يعلم متى ينزل إذا رحل فلا تصدّق ، ومن حدّثك أنّه إذا نزل متى يرحل فلا تصدّق . وكان يجمع أهل المشورة كلّهم ويعرض عليهم ما نزل به ، فيسمع آراءهم ، فإذا اتّفقوا على شيء فضّهم ، ثم جمع أخصّاءه فقط وهم سليمان شاه وقمارى وسيف الدين واللّه داد وشاه ملك وشيخ نور الدين ، فمخّض الرأي معهم في ذلك الأمر حتى يقع الاتفاق على شيء ، فيمضيه حينئذ ، فلذلك كانت أموره سديدة واقعة على وفق مراده ، وكان إذا أراد المسير إلى جهة ووقع الرّحيل وأخذ الناس في المسير إلى الجهة التي وقع الاتفاق عليها ، أخذ هو وحاشيته في المسير إلى جهة أخرى لم يبدها لأحد من أخصائه فلهذا كان لا يعرّف أحدا إذا سار متى ينزل ولا إذا نزل متى يرحل ولا إلى أين يتوجّه إذا سار ، وكان لا يفشي له سرّا ولا يعلم أحدا له أمرا بحيث إنّه إذا رحل ، فأخذت عساكره شرقا أخذ هو غربا ، فتضطرب تلك العساكر التي هي كأمواج البحر كثرة وتختبط وتنعطف من