المقريزي

542

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

فنصبت ، وكذلك الصّوّاغ والحدّادون والأخفافيون والقوّاسون وسائر أرباب الحرف والصّنائع ، ما منهم إلا من أبدى من صناعته ما يكاد يعجز نظراؤه عن عمل مثله . وخرج أرباب الملعوب واللّطافة والمضحكون بأسرهم ، فأبدوا من أفانينهم بعجائب ، وتهتّكوا من مضحكاتهم بغرائب ، وذلك أنّ سمرقند إذ ذاك كانت مجمع فضلاء العالم ، وعش رجالات الدّنيا شرقا وغربا ، فرتّبت كلّ طائفة ما أخرجته على حدة ، وجعل ذلك كلّه تجاه السّرادق العظيم وصيوان الدواوين . ونصبت وراء ذلك الأسواق التي جمعت ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين من جميع المأكولات الحارة والباردة ، فعمل أهل كلّ مدينة من مدائن الدّنيا ما هو عادة بلده ، وتفنّنوا في تحسينها ، وتأنّقوا في اختلاف طعومها ، وعملوا من المشروبات المباحة وغير المباحة أنواعا لا تكاد تنحصر إلى غير ذلك من الحلاوات والفواكه الرّطبة واليابسة ، وسائر الخضروات والأخباز ونحو ذلك . وضربت بين تلك الخيام والمضارب والقباب البوقات وزيّنت الفيلة وعتاق الخيول التي لا تعدّ من كثرتها بأفخر الزّينة وأعظم الحلي الذي تعجز ملوك الأرض بأسرها أن تحكيه ، وأبيح للناس جميعهم أن يأتوا بما شاءوا من الرّقص والغناء والضّرب بالدّفوف واللّعب بآلات الملاهي ، ومواصلة أحبابهم ومعاقرتهم الخمور ، فأقبلوا من ذلك على ما لا يمكن وصفه ، كلّ ذلك من غير هرج ولا صخب ولا صياح ، ولا يقدر أحد على أن يتعدّى على أحد ، ولو كان هناك قاتل أبيه لما هاجه ، ولا يستطيع أجلّ ملك فيهم أن يظلم أحقر النّاس منهم في عود يخلّل به أسنانه فما فوقه . فلما استتمّ الأمر على ما رتّبه تيمور خرج بوقار وسكينة على عادته في ذلك ومعه عساكره وجنوده التي هي كأمواج البحار وأمثال الجراد في أحسن زي وأفخر هيئة ، حتى نزل سرادقه المذكور ، وأمر أن تسبّل الخمور ويمكّن منها الخاصّ والعام ، فكانوا بأسرهم كما قيل :